المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار في ليلة الاعدام .. أم الشهيد مقصود



قيصر الركابي
11-14-2008, 08:17 PM
أم مقصود ... تلك المرأة الصابرة التي لا زالت تعيل نفسها ومن تبقى من اسرتها منذ ان توفي زوجها في سبعينات القرن الماضي ، ومنذ أن خطف الطاغية صدام المقبور ولدها مقصود في ثمانينات القرن الماضي .. عرفت أم مقصود منذ عام 1975 عندما كنت أسافر الى بغداد لزيارة جدي في العطلة الصيفية ، فأمام "دكانه" الكائن في "علاوي الحلة" خلف سينما بغداد ، كانت تجلس أم مقصود "ببسطتها" المتواضعة سعياً وراء لقمة عيش لأطفالها بعد رحيل زوجها الى بارئه ..
أم مقصود المؤمنة الصابرة المضحية .. لم تهدّها السنوات الصعاب على الرغم نمن خطف الطاغية المقبور لولدها الأكبر مقصود في مطلع الثمانينات .. فلا زالت هذه المرأة تعيل نفسها ومن تبقى من اسرتها لهذه اللحظات التي أدون فيها نفحات عبقة من سيرة ولدها ..
ولد الشهيد السعيد مقصود عام 1955 في بغداد ، وفيها أتم دراسته الابتدائية والمتوسطة ، لينتقل بعدها الى ممارسة العمل المهني ليعيل اسرته بعد وفاة والده رحمه الله ، فعمل حداداً في شارع الشيخ معروف ، وكان حينها يسكن في علاوي الحلة .. التزامه الديني ، ومعارضته للفكر البعثي المنحرف جعلته تحت مراقبة جلاوزة الامن الصدامي ، فاعتقل مطلع الثمانينات واعدم بتاريخ 11/8/1982 .. انقطعت أخباره منذ اعتقاله ، ولم تسلم جثته الطاهرة الى اسرته ..
بعد سقوط النظام المباد ، عثرت اسرته على صور فوتوغرافية تبين طريقة اعدام الشهيد مقصود ، وكان من الحاضرين لعملية الاعدام المجرم عبد حمود .. ..
الحوار التالي يعبّر عن "لسان حال" مقصود ووالدته الصابرة في ليلة اعدامه ..
مقصود : .. سلامُ اللَّه يا أمي ورضوانه، سلام الحب من قلبي، ومن شوقي لعينيك، للخدَّين، للإطلالة الجلوة.. سلامُ التوق للإغفاءة الحلوة، طويلاً بين زنديك... كيف القلب يا أمي!؟ كيف نبضه الهاتف!؟ يناديني... يناجيني، يطوي ضلوعه الحيرى... ويطويني... مضت سنتان يا أمي لم أركِ ولم تريني... وها أنذا أهاتفك من السجن، أُلاحق وجهك الباسم... أحاصر طيفك الماثل مدى عيني، أزيح خمارك الأبيض، أسوِّيه كما أبغي وما أبغيه يا أمي... قبلة طائرٍ هائم... رماه الشوق في مرساك، فمثواه بعينيك ومرساه على القلب فسيحٌ، واسعٌ أُماه، على شطآن جناحيك.. هاج الشوق بي يا أم إلى "درابين" محلتنا ، طعنتُ الذئب كي أصل وأرضيك... ولم أجبُن ولم أهن... ألم توصني يا أمي بأن أبقى، كما في حلمك الأحلى!؟ رضاكِ عفوك أمي... رضى عينيكِ يحييني ولو.. غامت تلاويني..‏
فأجابه قلب أم مقصود من بعيد : عليك السلام يا ولدي من قلبي ومن ربِّي، مضت سنتان يا سندي... ولم أركَ ولم ترني، وقلبي هائمٌ في الليل يطلبك وطول الليل يضنيني... أدعو اللَّه كي تبقى سراج العمر ورجاءه... أرجو اللَّه كي تغدو كما أرجوك يا ولدي... فتى اللَّه وليد القلب يا أملي ويا ريحانتي الأغلى... بك أعزَّني اللَّه وأعطاني ما أرجوه بل أكثر... غداً ستضمني الزهراء في المحشر... رأيتك مرتجى حلمي الذي أقبل... شهيداً جئتني ولدي، وقد زفتك أشواقي... عريس الحور للجنة.. وشمسُ اللَّه في الدنيا أمير الضوء للعرش أرادتك، ولمَّا أقبلت نحوك، أضاءت حولك الكون لكي تصل، رأتك نورها الأقوى... فانكفأت على زنديك تلتهب.. ذاك النور أعرفه فقد نسجته من كبدي... ومن ضلعي ليالي الشوق، كي تمشي على الدرب الذي يرضاه من سوّاك شهيداً، شاهداً، حياً.. رضا قلبي، رضا ربي عليك دائماً ولدي وإن غطتني أكفاني، فهمسة صوتك الحلوة، ولمسة كفك البطلة على قبري، ستبعثني كما الوردُ من الأرض بإذن اللَّه سترويني وتحييني... أمان اللَّه يا ولدي.. سيرضيك ويرضيني..‏


لاحظ صور الشهيد مقصود سهيل نجم اثناء اعدامه في ملحق الجزء الثالث من كتاب شهداء العراق كواكب تأبى الافول