Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270
منتدى الخالدون - المنتـدى الإسلامـــي http://www.alkhaledoon.com/ هذا المنتدى يختص بديننا الاسلامي والمواضيع الاسلامية الخاصة بالدين والمذهب والادعية الدينية ar Sun, 17 Dec 2017 12:20:46 GMT vBulletin 60 http://www.alkhaledoon.com/styles/taj/misc/rss.png منتدى الخالدون - المنتـدى الإسلامـــي http://www.alkhaledoon.com/ التآخي أعظم معطيات الايمان http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106933&goto=newpost Thu, 07 Dec 2017 08:24:10 GMT الشيخ جعفر السبحاني
مقتبس من كتاب سيّد المرسلين صلّى الله عليه وآله الجزء ٢

لقد فتح تمركز المسلمين في المدينة فصلا جديدا في حياة رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله.
فقد كان صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله قبل دخوله المدينة لا يهمّه إلاّ جذب القلوب والدعوة إلى دينه ، ولكنه اليوم عليه أن يعمل ـ كصاحب دولة محنّك ـ على حفظ كيانه وكيان جماعته ، ولا يسمح للأعداء الداخليين والخارجيين بالتسلّل والنفوذ في صفوفهم ، ولكنه كان يواجه في هذا السبيل ثلاث مشاكل كبرى :
١ ـ خطر قريش وعامة الوثنيين في شبه الجزيرة العربية.
٢ ـ خطر يهود يثرب الذين كانوا يقطنون داخل أو خارج المدينة ويمتلكون ثروة كبيرة.
٣ ـ الاختلاف الذي كان بين أتباعه من المهاجرين وبين الأوس والخزرج.
وحيث إن المهاجرين والانصار قد نشئوا في بيئتين مختلفتين ، لهذا كان من الطبيعي أن يختلفوا في طريقة المعاشرة ، وآداب السلوك ، واسلوب التفكير اختلافا كبيرا.
هذا مضافا إلى أن الأوس والخزرج الذين كانوا يشكّلون جماعة الأنصار كانوا هم يعانون من رواسب عداء قديم وبقايا ضغائن نشأت خلال حروب موية طويلة استغرقت مائة وعشرين سنة بلا انقطاع.
ومع وجود مثل هذه التناقضات والأخطار المحتملة لم يكن مواصلة الحياة الدينية ، والسياسية المستقرة أمرا ممكنا قط.
ولكن رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله تغلّب على كل هذه المشكلات بطريقة حكيمة ، غاية في الحنكة والابداع.
فبالنسبة إلى المشكلتين الأوليين فقد عالجهما بالقيام بأعمال سيأتي ذكرها في المستقبل.
وأما بالنسبة إلى مشكلة التناقضات بين فئات وأصناف جماعته فقد عالج تلك المشكلة بحذق كبير ، وتدبير رائع جدا.
فقد امر من جانب الله تعالى بأن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار.
فجمعهم رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله ذات يوم وقال لهم : « تآخوا في الله أخوين أخوين ».
وقد ذكرت المصادر التاريخيّة الاسلامية ، مثل « السيرة النبوية » لابن هشام (١) اسماء كلّ متآخيين من المهاجرين والأنصار.
وبهذا الاسلوب كرّس رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله الوحدة السياسية والمعنوية بين المسلمين وقوّى اسسها ودعائمها.
وقد سببت هذه الوحدة ، وهذا التآخي الواسع في أن يقرّر حلا للمشكلتين الاوليين بسرعة وسهولة.

منقبتان عظيمتان :
ولقد ذكر أكثر مؤرّخي السنة والشيعة ومحدّثيهم في هذا الموضع منقبتين عظيمتين ، نذكرهما نحن هنا أيضا : لقد آخى رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو يقول : يا فلان أنت أخ لفلان.
ولما فرغ من المؤاخاة ، قال له علي عليه‌ السلام ، وهو يبكي : « يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد »؟
فقال له رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله وقد أخذ بيده : « أنت أخي في الدنيا والآخرة » (٢).
وقد ذكر القندوزي الحنفي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا اذ قال : فقال رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله لعلي : « والذي بعثني بالحق نبيا ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي » (۳).
غير ان ابن كثير شكّك في صحة هذا الرواية (٤) ، وحيث إن هذه التشكيك نابع من نفسيّته الخاصة ، ولا يقلّ تفاهة وبطلانا من اعتذاره ودفاعه عن معاوية وزمرته الباغية عن قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر لهذا نرجح أن نصرف النظر عن النقاش فيه ، ونترك القضاء والحكم عليه للقارئ المنصف ، والمتتبع العدل.

منقبة أخرى لعليّ عليه‌ السلام :
فرغ رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله من بناء المسجد ، وقد بنيت منازله ومنازل أصحابه حول المسجد ، وكلّ شرع منه بابا إلى المسجد ، وخطّ لحمزة خطا فبنى منزله فيه ، وشرع بابه الى المسجد وخط لعليّ بن أبي طالب مثل ما خط لهم فبنى منزله فيه وشرع بابه إلى المسجد ، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الابواب.
وفجأة نزل جبرئيل على رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله وقال : « يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تأمر كلّ من كان له باب إلى المسجد أن يسدّه ولا يكون لأحد باب إلى المسجد إلاّ لك ولعليّ عليه‌ السلام ».
يقول ابن الجوزي : فأوجد هذا الامر ضجة عند البعض ، وظنوا أنّ هذا الاستثناء قد نشأ عن سبب عاطفي ، فخطب رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله في الناس وقال فيما قال : « والله ما أنا أمرت بذلك ، ولكنّ الله أمر بسدّ أبوابكم وترك باب عليّ » (٥).
وخلاصة القول أنّ رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله قضى عن طريق المؤاخاة الاسلاميّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين على الاختلافات القديمة التي كانت رواسبها باقية بين المسلمين إلى ذلك اليوم ، وبذلك حل مشكلة من المشاكل الثلاث التي مرّ ذكرها.

الهوامش

(۱) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٠٤ ـ ٥٠٧.
(۲) المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ص ١٤.
(۳) ينابيع المودة : ص ٥٦ ، ونظيره في السيرة النبوية.
(٤) البداية والنهاية : ج ٢ ص ٢٢٦.
(٥) تذكرة الخواص : ص ٤٦ ، بتصرف بسيط. ]]>
المنتـدى الإسلامـــي اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106933
أربعة دروس من سورة الانشراح http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106815&goto=newpost Sun, 26 Nov 2017 09:59:25 GMT محمد مهدي الآصفي نزلت السورة في ظروف الشدّة والعسر، ويعيش المؤمنون اليوم في كثير من البقاع ظروفا مشابهة. وفي السورة دروس هامة أولها: شرح الصدر…... محمد مهدي الآصفي


نزلت السورة في ظروف الشدّة والعسر، ويعيش المؤمنون اليوم في كثير من البقاع ظروفا مشابهة. وفي السورة دروس هامة أولها: شرح الصدر… شرح الصدر في العمل، وشرح الصدر في المعرفة. ومفتاح شرح الصدر الصبر والصلاة. والدرس الثاني أن العسر ينتهي إلى اليسر حتماً، والعسر سنة دائمة، واليسر سنة مشروطة بالتقوى والتصديق والعطاء. والدرس الثالث: مكافحة حالة الاسترخاء والتراخي في العمل. والدرس الرابع توجيه الحركة والعمل الدائم إلى اللّه سبحانه وتعالى دون سواه.
(ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك. فإنّ مع العسر يُسراً. إنّ مع العُسرِ يُسراً. فإذا فرغت فانصب. والى ربّكَ فأرغب).
ظرف نزول السورة
نزلت هذه السورة في ظروف الشّدة والعسر في مكة في الفترة الصعبة التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والصحابه يَلقون فيها ألوان الاضطهاد والأذى على أيدي عتاة قريش.
في هذه الظروف نزلت هذه السورة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بأربعة دروس، وأيَّة أربعة وهي دروس ضرورية، لابد منها للعاملين، في أي زمان، ومن دون هذه الدروس لا يمكن أن يواصل المؤمنون عملهم في الدعوة الى اللّه.
وهذه الدروس هي:
١ - شرح الصدر، ٢ - الأمل، ٣ - المقاومة، ٤ - - الذكر والارتباط باللّه.
ويعيش الدعاة الى الله اليوم في كثير من أقطار العالم الاسلامي ظروفاً مشابهة للتي عاشها الرعيل الأول من المسلمين بصحبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في مكة، ولذلك تبقى سورة "ألم نشرح" حاجة حقيقية قائمة للعاملين في سبيل اللّه في عصرنا يحتاجون الى استيعاب دورسها.
واستيعاب هذه الدروس والالتزام بها يمكّن الانسان من مواصلة الطريق الى نهايته وتجاوز العقبات الكثيرة الموجودة على هذا الطريق في ظروف غربة الاسلام ومحنته، كما كان سلفنا يحتاجها في مكة في الايام الأولى من ميلاد الرسالة.
الدرس الأول: شرح الصدر
وأول هذه الدروس شرح الصدر.
وهو في مقابل ضيق الصدر. ومن خلال هذا التقابل نستطيع أن نفهم معنى شرح الصدر.
الصدر الضيقة هو الذي لا يستوعب هموم العمل ومتاعب المواجهة، فتطفح عليها المتاعب وهموم العمل، وتتحول الى "الجزع" و"التعب" و"اليأس".
وأما الصدور التي يشرحها اللّه تعالى فإنها تستوعب المشاكل والهموم والمتاعب، وتتحول فيها الى الصبر والمقاومة، والاستعانة باللّه.
ومثل الصدور التي يشرحها اللّه كالبحر، لا يلوّثه شيء مما يلقى فيه من القذارة، أما الساحات الراكدة والمحدودة من الماء فإنَّها سرعان ما تلوّثها الاقذار وتطفح عليها، وتغير لونها وطعمها ورائحتها… والفرق سعة الاناء وضيق الاناء.
وكذلك الصدور الواسعة التي شرحها اللّه، لا تضيق بهموم العمل ومتاعبه، ومهما واجه صاحبها من المشاكل والمتاعب والهموم استوعبتها وتجاوزتها.
بخلاف الصدور الضيّقة، التي تضيق بالقليل من الهموم والمتاعب، وتطفح عليها، فتجزع، وتتعب، وتيأس، والانهيار والتراجع والخذلان النتيجة الطبيعية لهذا الضيق، كما إنَّ الصبر، والمقاومة، وذكر اللّه، والتوكل على اللّه هو النتيجة الطبيعية للصدور الواسعة الى شرحها اللّه.
إذن; الصدور وعاء شخصية الانسان، وهي على طائفتين:
الصدور الواسعة الى شرحها اللّه.
والصدور الضيقة الحرجة.
في الصدور الواسعة تتحول الهموم والمتاعب الى الصبر والذكر، وفي الصدور الضية تتحول الهموم والمتاعب الى الجزع والسقوط.
في الصدور الواسعة تتحول الاساءة الى الحلم والعفو.
وفي الصدور الضيقة تتحول الاساءة الى الانفعال والغضب والانتقام.
وفي الصدور الواسعة تتحول الفتن والمغريات الى التقوى.
وفي الصدور الضيقة تتحول الفتن والمغريات الى الانزلاق والى الأثم.
وفي الصدور الواسعة يتحول الرزق والنعمة الى الشكر.
وفي الصدور الضيقة يتحول الرزق والنعمة الى السكر (سُكر النعمة) والطغيان.
وفي الصدور الواسعة تتحول المصيبة الى الصبر.
وفي الصدور الضيقة تتحول الى الجزع.
وفي الصدور الواسعة يتحول العلم والموقع الى التواضع.
وفي الصدور الضيقة يتحول العلم والموقع الى الغرور.
شرح الصدر في العمل
وأوّل ما يحتاجه الدعاة الى اللّه في ساحة العمل هو شرح الصدر.
ولقد بعث اللّه تعالى رسول وكليمه الى بني إسرائيل وفرعون ليدعوهم الى اللّه… فلم يطلب موسى بن عمران (عليه السلام)، مالا ولا سلطان، ولا قوة من عند اللّه، لينهض بهذه المهمة الصعبة، وإنما سأل اللّه تعالى أن يرزقه شرح الصدر وتيسير الامر، فقال:
(رب اشرح لي صدري. ويسّر لي أمري) [١].
وقدم شرح الصدر على تيسير الأمر.
إن الذي يحتاجه الدعاة الى اللّه على طريق ذات الشوكة أمران:
١ - مضاعفة التحمّل ٢ - وتخفيف الحمل.
وكلاهما سأل اللّه تعالى موسى بن عمران في بداية المهمّة، ولكنّه يقدم السؤال الاول على السؤال الثاني، ويطلب من اللّه تعالى أن يضاعف تحمله أولاً، ثم يطلب من اللّه أن يخفف له الحمل (رب اشرح لي صدرى ويسر لي أمري).
وفي بدايات الدعوة، أيام الشدّة والضيق كان أوّل ما منَّ اللّه به على عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) هو شرح الصدر (ألم نشرح لك صدرك).
وإن ساحة العمل وطريق ذات الشوكة صعب، ولولا إسناد اللّه تعالى ودعمه وتطمينه لنفوس أنبيائه وعباده الصالحين لضاقت صدورهم مما يلاقون.
يقول تعالى، مخاطنا رسوله: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) [٢].
ولكن اللّه تعالى يؤيد أنبياءه مرتين:
يشرح صدورهم، ويزيد ويضاعف في تحملهم أولاً ثم يرفع عنهم الحمل، ويضع عنهم ثقل العمل ثانياً.
(ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك).
ويأمر اللّه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يصبر ويوسّع صدره لما يلاقي من قومه، ولا يجزع، ولا يفقد صبره - كما ضاق صدر العبد الصالح أيوب (عليه السلام) من قبله بما لاقاه من قومه. (فاصبر لحكم ربك. ولا تكن كصاحب الحوت) [٣].
العلاقات التبادلية بين الصدور وساحات العمل
ومن عجب أن شرح الصدر هو أول متطلبات العمل - كما قلنا قبل قليل، ولا يمكن الانسان أن يدخل ساحة العمل من غير شرح الصدر… وفي نفس الوقت لا يُزود اللّه الانسان بشرح الصدر إلا في ساحة العمل. فليس يكتسب الانسان شرح الصدر في عُقر بيته، وفي أيام العافية واليسر، وإنما يكتسب شرح الصدر في ساحة المواجهة، وفي أيام الشدَّة والضيق. وبين شرح الصدر وساحة العمل علاقة تبادلية "جدليّة"، وهي واحده من سنن اللّه تعالى في ساحات المواجهة وأيام العسر والشدّة.
(ووضعنا عنك وزرك)، ثم بعد ذلك يمن اللّه تعالى على رسوله أنه: وضع عنه وزره (حمله الذي أثقل ظهره).
والوزر، هنا، الثقل، وهو ثقل العمل والرسالة الذي كاد أن يُنقضُ ظهر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لولا تأييد اللّه تعالى وإسناده.
وتفسير "الوزر" بالذنب، أو كما يقول بعضهم تفسير بالنبوة، ولاذوق، والذي يناسب شرح الصدر هو تخفيف الحمل، كما في دعاء موسى بن عمران (عليه السلام).
ومعنى "وضع الوزر" تخفيف الحمل بالإسناد والتأييد، وقد قاتل الملائكة دون رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في معركة بدر ودافعوا عنه، وأنزل اللّه عليهم المطر، وكانت الارض التي عليها المسلمون يومئذ رمليّة فتلبدت، والارض التي عليها المشركون طينية فتطيّنت وتزلقت بهم، وقد شقّ اللّه تعالى البحر لموسى (عليه السلام) فاجتاز هو وبنو إسرائيل البحر، فلّما دخله فرعون وجنده رجعت المياه الى حالها فغرقوا في البحر. ولقد أهلك اللّه قوم عاد وثمود وقوم لوط ودَمَّر ديارهم تدميراً. واللّه تعالى يقول (وإن اللّه لمع المحسنين). يرفع عنهم ثقل العمل، ويضع عنهم عبء الرسالة، ويخفّف عنهم متاعب الطريق، وينصرهم، ويهلك أعداءهم، وليس يكلهم الى أنفسهم في ساحة المواجهة والصراع، وهذا هو قوله (ووضعنا عنك وزرك) والله أعلم ببصائر كتابه.
الهلع
مقابل شرح الصدر… "الهلع".
يقول تعالى: (إن الانسان خلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً) [٤].
وحالة الهلع هي حالة ضيق الصدر.
ضيق الصدر: الجزع عند الابتلاء بالشرّ، فإنَّ الشر يفيض ويطفح على الصدور الضيقة، أمّا الصدور الواسعة فإنها تستوعب الشر، وتحوله الى صبر وحلم وذكر، قلنا وبنفس السبب (إذا مسّه الخير منوعاً).
فإنَّ مردود الخير والنعمة في الصدور الضيّقة الكفران والطغيان والشُح والمنع.
يقول تعالى (إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى).
إن الطغيان والكفر والمنع والشحّ من إفراز الصدور الضيقة، أما الصدور الواسعة فمردودها الذكر، والشكر، والعبودية، والصبر، والحلم، والعطاء.
شرح الصدر في المعرفة
ماتقدم من حديث يخصّ شرح الصدر في المعاناة والابتلاء، وهو باب واسع من شرح الصدر، والباب الآخر لشرح الصدر المعرفة والبصيرة.
والصدور اُوعية المعرفة. كما هي أوعية الابتلاء. فمن الصدور صدور شرحها اللّه تعالى للمعرفة، فتعي وتبصر، وتنفتح على المعارف، وتتلقّى من النور والوعي مالا يتلقاه الآخرون.
ومن الصدور صدور قاسية، لايدخلها النور، ولا المعرفة، ولا تتفتح على الهداية، وبينها درجات ومراتب، بعضها فوق بعض.
يقول تعالى: (أفمن شرح اللّه صدره للاسلام. فهو على نور من ربه. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه. أولئك في ضلال مبين) [٥].
الصدور التي شرحها اللّه يدخلها النور. وأما القاسية فلا ينفذ اليها النور، إلا إذا نفذ النور الى عمق الحجارة الصلدة…. وليس العجز في النور، ولكن في الصدور، فإن النور ينزل على كل مكان من غير حساب، ولكن الصدور تحتجب عن النور عندما تكون قاسية.
أسباب الشرح
والله سبحانه هو الذي يشرح الصدور، وهو الذي يجعل الصدور ضيّقة حرجة، مافي ذلك شك.
يقول تعالى: (فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّـقاً حرجاً. كأنّما يصّـعّد في السماء. كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون) [٦].
والهداية والضلالة هي الانفتاح والانغلاق على النور. فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره، فيدخل الى قلبه النور، ومن يرد أن يُضلّه يجعل صدره ضيقاً، فينغلق على النور.
وفي القرآن تأكيد على هذا المعنى في أكثر من موضع، يقول تعالى (ألم نشرح لك صدرك)، (رب اشرح لي صدري)، (أفمن شرح اللّه صدره للاسلام)، (فمن يرد اللّه أن يشرح صدره للاسلام) ونظائر ذلك في كتاب اللّه.
وكلّها يؤكد أنّ أمر الصدور بيد اللّه، يشرحها ويضيّقها… فإذا شرحها اللّه دخلها النور والمعرفة، وإذا ضيّقها اللّه انغلقت على النور والمعرفة… ونظير ذلك "النصر" فإنه من عند اللّه من دون ريب، والقرآن يقرر هذه الحقيقة وينسب النصر الى اللّه في أكثر من موضع: (إذا جاء نصر اللّه والفتح)، (وما النصر إلاّ من عند الله)، (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)، (والله يؤيد بنصره من يشاء).
إلا أن ذلك أحد وجهي هذه القضية، وهو حق وصحيح، والوجه الآخر، أنّ أسباب هذا النصر الالهي بيد الانسان نفسه، فإذا شاء أن ينصره اللّه نصره اللّه وإذا لم يشأ لا ينصره اللّه.
تأمّلوا الى الوجه الآخر من هذه القضية (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبّت أقدامكم) [٧]، (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة)، (ولينصرنّ اللّه من ينصره).
وهذا هو الوجه الثاني لهذه القضية. ولا يشق علينا أن نجمع هذين الوجهين معاً في تصوّر واحد متكامل، يكمّل كلّ من الوجهين الوجه الآخر.
وكذلك الأمر في "شرح الصدر"و "ضيق الصدر" فإن أسباب شرح الصدر وضيق الصدر بيد الانسان، واللّه تعالى يشرح الصدور ويضيقها بقانون وسنّة، كما هو شأنه تعالى في كل شيء، وليس لسنة اللّه تحويل ولا تبديل.
والآية رقم (١٢٥) من سورة الأنعام نفسها تبيّن هذه السُنّة بعدما تبين أن أمر الشرح والضيق في الصدور بيد اللّه. وهذا القانون هو: (كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون) [٨].
صحيح أن اللّه تعالى هو الذي يشرح الصدور ويضيقها… ويبعث فيها الحياة ويميتها، ولكن هذا الضيق والرجس الذي يصيب الانسان بسبب الانسان نفسه، الذي أعرض عن اللّه، وصَدّ عن سبيل اللّه. وهو عقوبة ونتيجة لصدوده وإعراضه عن اللّه.
ومن أفظع الخطأ في فهم كتاب اللّه أن نفكك بصائر الكتاب، بعضها عن بعض، ونحاول أن نفهم بعضها مفصولاً عن بعض. إنَّ هذا المنهج التفكيكي في فهم القرآن يؤدي الى أخطاء كبيرة، ويتسبّب في ظهور نحل ومذاهب منحرفة في فهم كتاب اللّه وتأويله.
مفتاح شرح الصدر
مفتاح شرح الصدر: "الصبر والصلاة".
والدليل على ذلك سورة هود. وقد نزلت هذه السورة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أيام الشدّة والبأساء والضرّاء، لتبعث السكينة والطمأنينة على القلب الكبير في مواجهة عتاة قريش.
وتقصّ السور على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قصص الانبياء من قبله، كابرا بعد كابر، وتذكرّه (صلى الله عليه وآله) بمالاقوه من أقوامهم من الاضطهاد والعذاب والعناد واللجاج، وكيف واجه الانبياء (عليهم السلام) هذا العناد والطغيان بالصبر والمقاومة.
ثم تأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بالاستقامة والثبات على هدى الأنبياء من قبله: (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك). وتختم السورة هذا الدرس العظيم بهذه الآية الكريمة التي هي مفتاح كل مارزق اللّه أنبياءه (عليهم السلام) من شرح الصدر، والثبات، والمقاومة: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل. إنّ الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين) [٩].
ومن سورة البقرة نقرأ نفس المعنى: (واستعينوا بالصبر والصلاة. إن اللّه مع الصابرين) [١٠].
وإنما يأمرنا اللّه تعالى أن نستعين بالصبر والصلاة، لنواجه بهما هموم العمل ومتاعب الحياة وعقبات طريق ذات الشوكة. إن الصلاة ذكر اللّه (أقم الصلاة لذكري).
وفي ذكر اللّه كل ما يحتاجه العامل السالك الى اللّه من زاد الطريق، وحول، وقوة، وسكون، واطمئنان، وتوكل، وثقة باللّه، فيشدّ الانسان حبله بحبل الله، فيتحوّل ضعفه الى قوة، وفقره الى غنى باللّه، وجهله الى سداد ومعرفة، وبذكر اللّه يخرج الانسان من أفق الانسان الضيق الى رحاب الرحمان الواسع. وماذا يحتاج الانسان بعد ذلك… هذا عن "الصلاة".
وفي "الصبر" المقاومة والثبات.
وبين الصبر وشرح الصدر علاقة تبادلية. فإن الصبر على الابتلاء يمنح الانسان شرح الصدر وهو في نفس الوقت من نتائج شرح الصدر.
وهذا باب واسع من المعرفة، سبق أن أشرنا اليه. إن الانسان لا يكتسب شرح الصدر وهو قابع في زاوية بيته. فإذا دخل ساحة المواجهة، عصره البلاء عصراً، وصبر على المواجهة والابتلاء.
وعندئذ يكون الصبر من إفراز ونتائج شرح الصدر. ومن خلال هذه العلاقة التبادلية بين "الصبر" و"الشرح" يتصاعد الصبر والشرح. فالصبر يزيد شرح الصدر وشرح الصدر يزيد الصبر.
وكذلك الأمر بين الصلاة والشرح الصدر.
بالصلاة يشرح اللّه صدر عباده، وإذا شرح اللّه صدر عبده أقبل العبد على الصلاة وذكر اللّه، ووجد في الصلاة قرة العين، وراحة القلب.
الدرس الثاني: (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً).
هذه سُنّة من سنن اللّه في التاريخ، ووعي هذه السُنَّة ينفع العاملين الدعاة الى اللّه كثيراً. ومن يعرف أن من بعد العسر يسراً لا يستغرقه العسر، ولا يسقط في العسر.
أما إذا كان لا يعرف الانسان أن من وراء العسر يسراً فإن العسر لا محالة يستهلكه ويستغرفه، تماماً كما إذا كان الغريق يرى قارب النجاة يقترب منه سريعاً، أو يصرخ فلا يسمعه أحد ولا يراه أحد، والامواج تقذفه وتبتلعه.
إن سنة اليسر بعد العسر من السنن الالهية الاكيده التي ورد التأكيد عليها في القرآن في مواضع عديدة.
والايمان بهذه السنة ووعيها من ضرورات العمل.
ولذلك; سوف نتوقّف عند هذه السنة بعض الوقت لنتأمل فيها من خلال كتاب اللّه.
من الاستدراج والابتلاء
سُنّة الاستدراج وسنّة الابتلاء سنتان متقابلتان.
سنة الاستدراج بنعمة بعدها سقوط ومحق وعذاب، وهذه النعمة ظاهرها رحمة وباطنها النقمة يستدرج فيها اللّه تعالى المسرفين والظالمين بالنعمة فتلهيهم النعمة، وتبطرهم، فينخر بنيانهم من الداخل، فينهار، وذلك هو المحق والسقوط في حياة هذه الامم.
وهذا السقوط يتم عادة، بغتة، وبصورة مفاجئة كما حدث ذلك في عصرنا للاتحاد السوفيتي.
يقول تعالى (فلمّا نسوا ما ذكّروا به. فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما اُوتوا أحذناهم بغتة. فاذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد للّه رب العالمين) [١١].
وإنّما يفتح اللّه أبواب النعمة عليهم ليفرحوا، ويتمادوا في غيّهم وطغيانهم، فيأخذهم اللّه بغتة، أخذ عزيز مقتدر، وهذه السنّة هي نفسها سُنّة الاملاء في القرآن، وإنما يسميها القرآن بالاستدراج لأن اللّه تعالى يستدرج بها المسرفين الى السقوط، ويسميها القرآن بـ "الاملاء" لأن اللّه يُملي فيها للمسرفين، والإملاء هو الإمداد، كما يقول الراغب في المفردات (فأمليت للذين كفروا. ثم أخذتهم فكيف كان عقاب) [١٢].
هذا عن سنة الاستدراج والاملاء وسنّة الابتلاء بعكس سنة الاملاء: يبتلي اللّه تعالى فيها عباده بالشدّة والعسر والضيق حتى يذكروا اللّه ويتضرعوا ويقبلوا على اللّه.
(ولقد أخذناهم بالعذابِ فما استكانوا لربهم وما يتضرّعو) [١٣].
يقول تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات. وبشر الصابرين) [١٤].
وهذه هي سنّة الابتلاء، وهي سنة عامة، شاملة. والمعاناة، والعذاب، والضيق، والشدّة في هذه السنة ظاهرها عذاب، وباطنها الرحمة. بعكس سنّة الاستدراج.
سنة التيسير
ويعقب الابتلاء التيسير والفرج.
وكما أنّ سُنة الابتلاء عامّة، كذلك الفرج بعد الشدة سنّة إلهية حتمية، في دورة التاريخ. فلن يبتلي اللّه تعالى عباده بابتلاء في دنياهم وعافيتهم إلا ويعقب هذا الابتلاء فرج ورخاء. بشروط نذكرها.
يقول تعالى: (من أعطى وأتّقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) [١٥]، (ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً) [١٦]، (ومن يتق اللّه نجعل له من أمره يُسراً) [١٧]، (سيجعل اللّه بعد عسر يسراً) [١٨]، (ونيسّرك لليسرى) [١٩].
وتأكيدات القرآن وإشاراته الى ذلك كثيرة، وهذه الآيات بمجموعها ترسم حدود هذه السنة الالهية.
يسر مع العسر وليس بعده
ومن رقائق التعبير في سورة الانشراح: أن اللّه تعالى يقول: (فإن مع العسر يسراً) واليسر يأتي بعد العسر عادة، ولكن القرآن يريد أن يقرّب اليسر الى العسر للناس، ويوحي اليهم بالتصاق اليسر بالعسر، فيعبر عن هذا التجاوز والتعاقب القريب بين اليسر والعسر بكلمة (مع) (فان مع العسر يسراً. إنّ مع العسر يسراً).
وهو من رقائق تعبير القرآن، فإنّ لكلمة "مع" من الضلال والأداء ماليس لكلمة "بعد".
عسر واحد لا يغلب يسرين
ومن لطائف التعبير في آيتي اليسر تنكير اليسر في الآيتين، وتعريف اليسر فيهما بالالف واللام (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً) والقاعدة: أن المعرفة إذا اُعيدت في الكلام المتصل على نحو التعريف، كان المقصود به نفس الشخص الاول، بخلاف النكرة، إذا أعيدت في الكلام المتصل على نحو التنكير.
فإذا قلنا: "إذا كسبت الدينار فأنفق الدينار" كان المقصود نفس الدينار. وإذا قلنا: "إذا كسبت ديناراً فأنفق ديناراً" لم يكن المراد بالدينار الثاني نفس الدينار الاول.
وفي آيتي اليسر في سورة الانشراح يرد اليسر على نحو التنكير في الايتين، بينما يرد العسر فيهما على نحو التعريف… فلابد أن يكون المقصود من العسر فيهما عسراً واحداً، بخلاف اليسر.
والسر في ذلك أن الالف اللام في العسر الثاني للعهد وهو إشارة الى العسر الاول، فيكون واحداً بخلاف اليسر.
وقد روي أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) خرج يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك ويقول: "لن يغلب عسر يسرين" (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسرا).
وعن ابن عباس قال: يقول اللّه: خلقت عسراً واحداً وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين).
باقة من الحديث
عن عبد اللّه بن عباس قال: ركب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يوماً على إبل، فأذهبني (فأركبني) معه، فقال في الطريق: يا ابن عباس "احفظ اللّه يحفظك. احفظ اللّه تجده أمامك. تعرّف الى اللّه في الرخاء يعرفك في الشَّدة. وإذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه. قد مضى العلم بما هو كائن. فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لما قدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب اللّه عليك لما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكرهه خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً".
وعن علي (عليه السلام) "إن اللّه تعالى جعل مع كل قحط خصباً، ومع كل مأساة رخاء".
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أيضاً: "لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال الزمان) [٢٠].
الدعاء باليسر بعد العسر
وقد ورد في الدعاء طلب اليسر بعد العسر كثيراً.
ومن ذلك: "واجعل لنا من أمرنا يسراً. واختم لنا بالسعادة… الى منتهى اجالنا".
وفي دعاء الأسحار: "اللهم يسرّ لي ما أخاف تعسيره، فإنَّ تيسير ما أخاف تعسيره عليك سهل يسير، ويسرّ لي ما أخاف حزونته، ونفّس عني ما أخاف ضيقه، وكفّ عني ما أخاف همّه، واصّرف عني ما أخاف بليته يا أرحم الراحمين".
وعي العسر
"العسر" و"اليسر" سنتان إلهيتان حتميتان، ووعي هاتين السنتين يُمكّن الانسان من الانتفاع بهما والإفادة منهما، فإن الناس، كل الناس، يخضعون لسنن اللّه، وعَوا هذه السنن أم لم يعوها، غير أن الذي يعي السُنة يتحمل السنّة وينتفع منها بشكل أفضل. والذي لا يعي السنة تشق عليه "إذا كانت ابتلاءً"، ويخسر كثيراً من مواقع الاستفادة من هذه السنن.
ولذلك كان الاهتمام بتبيان وتفسير السنن في القرآن، وقد تكررت الإشارة الى سُنة العسر واليسر في القرآن.
ففي "آل عمران" يرسم لنا القرآن صورة دقيقة لسُنّة "العسر"، تتضمّن كثيراً من الحقائق والايحاءات.
يقول تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله. وتلك الايام نداولها بين الناس. وليعلم اللّه الذين آمنوا. ويتخذ منكم شهداء).
وفي هذه الآية الكريمة يعلمنا اللّه ثلاث دروس عن العسر واليسر.
الدرس الاول: أن العسر من خصائص المعركة، فمن يدخل المعركة يمسه شيءٌ من العسر والشدة، وتصيبه قروح المعركة، ولا تختص هذه السنة بالمؤمنين، فإن مايصيب الكفار من القروح من المعركة لا تقل عما يصيب المؤمنين، وهكذا تكون المعارك: (إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله).
والدرس الثاني: أن اللّه تعالى جعل الأيام تداولاً بين الناس، يقلّبهم من يوم الى يوم، فيذيقهم بعد نشوة الانتصار في بدر مرّ النكسة في اُحد… وفي هذا التقليب منافع للناس. فإن نشوة "بدر"، إذا كانت تمتد بالمسلمين وتتّصل، ولم تعقبها نكسة أحد أصاب المجتمع الاسلامي يومذاك حالة الترهّل وتجمعت حوله العناصر الضعيفة وغير الصالحة والمنافقة، وداخل المسلمين حتى الصالحين منهم وأصحاب بدر الغرور والعجب، وكان لذلك أسوأ الأثر في دورهم القيادي في إمامة الارض (وتلك الايام نداولها بين الناس).
والدرس الثالث: أن هذه المحن والشدائد هي التي تفرز الرجال الأشداء، والذين يتخد اللّه منهم الشهداء والأئمة والقادة.
وأما أيام العافية واليسر فلا تأتي بالضعاف الذين يؤثرون العافية على التضحية في كل شدة ومحنة (وليعلم اللّه الذين آمنوا. ويتخذ منكم شهداء).
والدرس الرابع: التمحيص والمحق، يقول تعالى: (وليمحص اللّه الذين آمنوا. ويمحق الكافرين).
في مثل هذه الابتلاءات والمحن يُمحّص اللّه تعالى المؤمنين، ويشذّبهم، ويهذب نفوسهم، ويأخذ عنهم الميل الى العافية، والضعف، والجبن، وحب الدنيا، ويبقي لهم الشجاعة، والتضحية، والقوة، والزهد في الدنيا (وهذا هو التمحص) و (يمحق الكافرين) أمّا الكافرون، فتمحقهم المحنة، وتهلكهم… والمحنة هي المحنة لا فرق، ولكن الأثر يختلف بين التمحيص والمحق، وذلك أن المؤمنين يقاومون المحنة، فتمحصهم، والكافرون يسقطون في الفتنة والمحنة فتمحقهم. أرأيت النار تشتعل في الخشب والحديد، فتحرق الخشب وتصهر الحديد وتخلصه مما يعلق به من ذرات التراب. ذلك أن الحديد يقاوم فيصهر، النار والخشب لا يقاوم فتحرقه النار… وكذلك تعمل الفتن والمحن في نفوس المؤمنين والكافرين.
وعي اليسر
العسر سنة مطلقة، أما اليسر فهو سنة مشروطة وليست مطلقة، ووعي هذه الحقيقة على درجة عالية من الأهمية، لأن سنن اللّه تعالى في المجتمع والتاريخ على شكلين:
مطلقة ومشروطة
والسنن المطلقة هي التي تعم الناس جميعاً من دون قيد وشرط. مثل سنة الابتلاء.
(ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات).
وهذه سُنَّة مطلقة تعم الناس جميعاً ولا يخلو عنها إنسان قط، وفيها ينجح ناس ويفلحون، ويسقط ناس ويهلكون. ولا دخل لإرادة الانسان في هذه السنة.
وسنة عمومية العذاب - إذا نزل العذاب للكافرين وللمؤمنين - من السنن المطلقة، يقول تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة).
وأما السنن المشروطة فهي مفيدة بـإرادة الانسان واختياره وفعله، مثل سنّة "التغيير" وسنّة "النصر".
تأملوا في قوله تعالى في سنة (التغيير): (إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). إن التغيير من عند اللّه بالتأكيد، وهي سنة من سنن اللّه في التاريخ والمجتمع، ولكن اللّه لا يغير ما بأمة حتى يغيروا ما بأنفسهم ومالم يغيروا ما بأنفسهم لا يغير اللّه ما بهم، وبتعبير آخر مالم يغيروا باطنهم لا يغير الله ظاهرهم.
وهذه سنة مشروطة ومفيدة.
وسنة "النصر" سنة إلهية ثابتة كتبها اللّه تعالى وسنها على نفسه (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوى عزيز) ولكنها سنّة مشروطة.
تأملوا في الآيات التالية: (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم)، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، (من ينصر اللّه ينصره).
وسنة اليسر بعد العسر من سنن اللّه الحتمية بدون ريب، ولكنها سنة مشروطة وليست مطلقة. تأملوا في الآيات التالية: (من أعطى واتقى. وصدّق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) [٢١].
والشرط هنا العطاء والتقوى والتصديق (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً)، (ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً).
والشرط هنا التقوى.
وهذا اليسر المشروط بالتقوى والتصديق والعطاء يُحفّز الانسان في ظروف الابتلاء والشّدة للعمل والتقوى والعطاء، حتى بعجّل اللّه تعالى له بالفرج. أما اليسر المترقب غير المشروط فليس فيه تحفيز ولا تحريك.
وهذا وعي مزدوج، وكلا الوعين نافع ومفيد للانسان. وعي أن اليسر بعد العسر من اللّه، وليس من الانسان، حتى لا تأخذ الانسان نشوة اليسر وسكر العافية والرفاه، ويتواضع للّه، ويشكر في اليسر، كما يصبر على بلائه في العسر.
والوعي الثاني أن اليسر الذي يأتي من عند اللّه مشروط بعطاء الانسان وعلمه وتقواه وجهده، حتى لا يخمل، فيكل الأمر الى الغيب، ويكون مثله مثل بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: (اذهب أنت وربك فقاتلا. إنا هاهنا قاعدون).
إن تعاليم القرآن في الوقت الذي تؤكد على عمق التوحيد في كل نبي، في الضر والعسر واليسر، والعلم، والشدة، والفرج في نفس الوقت تشدُّ هذه السنن بـإرادة الانسان واختياره، وفعله، وعطائه ليؤدي دور الخلافة والإمامة على وجه الأرض.
فالنصر من اللّه بالتأكيد، ولكنه شّده بعمل الانسان واختياره وعطائه.
واليسر من اللّه من دون شك، ولكنه مشروط في نفس الوقت، بعمل الانسان وجهد الانسان، .
وهذا الوعي المزدوج من خصائص كتاب اللّه. ولعل قاعدة الأمر بين أمرين التي وضع أساسها أهل البيت (عليهم السلام) في الثقافة الاسلامية لا تكون بعيدة عن هذا الوعي المزدوج لسنن اللّه.
الدرس الثالث: (فإذا فرغت فانصب)
وهذا درس هام من دروس الحركة والعمل: إن الاسترخاء في العمل من أضر الاشياء على حركة العامل، وعمله. وعلى الانسان أن يكافح حالة الاسترخاء، ولا يسمح لها أن تتخلّل فترات عمله، ويواصل التحرك والعمل، ليلاً ونهاراً، من غير استرخاء حتى في الفترات التي تتخلّل الأعمال عندما يفرغ الانسان من عمل، وقبل أن يدخل في المرحلة اللاحقة له.
والآية الكريمة تأمر المؤمنين - واللّه أعلم ببصائر كتابه - ألا يسمحوا أن تتخلل أعمالهم فترات الاسترخاء، يقول تعالى: (فإذا فرغت فانصب)، أي إذا فرغت من مرحلة من العمل فانصب نفسك لمرحلة أخرى من العمل من دون تراخي.
والنصب يأتي في اللغة بمعنيين: بمعنى التعب والجهد وبمعنى القيام، وعلى كلا المعنيين يستقيم تفسير الآية الكريمة بالمعنى الذي ذكرناه، سواء قلنا: "فإذا فرغت من عمل فاجهد نفسك لعمل آخر" أو: "فإذا فرغت من عمل فقم وانهض لعمل آخر".
والمعنى على كل حال مكافحة حاله الاسترخاء [٢٢] والتراخي في العمل.
فلا يفرغ الانسان من شوط من العمل حتّى يدخل شوطاً آخر… ولا يسمح لحرارة العمل أن تبرد. فإن حرارة العمل إذا خفت في فترات الاسترخاء فليس من اليسير استعادة حرارة العمل من جديد… وللحرارة والبرودة في الحركة والعمل والنشاط قانون ونظام، كما أن لهما قانون في الفيزياء… وقانون الحرارة في العمل والحركة: أن حرارة العمل تتصاعد بالمواصلة، وتخف وتتنازل بسرعة في فترات الاسترخاء، وما ينزل من حرارة العمل في فترات الاسترخاء لا يمكن استعادته بسهولة،
ولذلك نجد التأكيد على مواصلة العمل ليلاً ونهاراً في القرآن من دون تراخي.
وقد كانت سورة المزمل من أوائل مانزل من الوحي على قلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يخاطب الله تعالى فيها رسوله (صلى الله عليه وآله): (قم الليل إلاّ قليلاً… إن لك في النهار سبحاً طويلاً)، ومع السبح الطويل والشاق الذي ينتظره (صلى الله عليه وآله) في النهار يأمره اللّه تعالى أن يقوم الليل إلاّ قليلاً، نصفه أو ينقص منه أو يزيد عليه.
وفي سورة المدثر يأمر اللّه تعالى نبيه بالقيام والمقاومة معاً.
(قم فأنذر… ولربك فاصبر) [٢٣].
ويقول تعالى: (واصبر لحكم ربك. فإنك بأعيننا. وسبح بحمد ربك حين تقوم. ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) [٢٤].
صبر، ومقاومة، واستقامة في النهار، (واصبر لحكم ربك)، ولا تتردد، ولا تتوقف، ولا تتنازل، "فإنك بأعيننا، نراك، وندعمك ونسندك، ونسددك"، ثم (وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم): وهذا التسبيح الطويل حين تقوم، وفي الليل وإدبار النجوم هو الزاد الذي يعين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لمواصلة المقاومة والصبر في النهار… وهذا هو منهج القرآن في العمل، عمل متصل وشاق، في الليل والنهار، صبر وحركة واستقامة في النهار، تسبيح وذكر في الليل… بهذا المزيج من المقاومة والتسبيح يتم العمل.
في حالات الاسترخاء يسرق الشيطان حرارة العمل من نفوس العاملين.
إن لحظة الاسترخاء من اللحظات الضارة المهلكة في حياة الانسان وهي كثيرة، أهمها:
لحظة "الغفلة"، ولحظة "النشوة"، ولحظة "الاسترخاء".
في لحظة الغفلة قد يخسر الانسان كل نتائج عمله.
فإن الشيطان يرصد الانسان رصداً دقيقاً، فينقضُّ عليه في لحظة واحدة من لحظات الغفلة فيسلبه كل ماكسبه في حياته في أيام العمل، لولا أن يعصمه الله تعالى ويبعده من الخبيث. ولذلك ورد التحذير الشديد من لحظات الغفلة.
لحظة الخطر الثانية، لحظة النشوة، فإن لحظات النشوة، إذا لم يسيطر صاحبها عليها تؤدّي به الى السُّكر والغرور والعجب والطغيان، وهي من أخطر الحالات على الانسان.
وقد دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مكة، ودخل المسجد الحرام وهو مطأطئ الرأسه تواضعاً للّه على مارزقه من الفتح - حتى كاد أن يمسّ رأسه قربوس مركبه.
ويأمر اللّه تعالى المسلمين في ساعات نشوة النصر والفتح الكبير بالتسبيح والاستغفار، (إذا جاء نصر اللّه والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً).
ولحظة الخطر الثالثة هي لحظة "الاسترخاء" بين عمل وعمل، فإن الانسان إذا ركن الى الاسترخاء، بعد الانتهاء من شوط من عمل أو بعد الانكسار والهزيمة في شوط من العمل سلبه الشيطان حرارة العمل ونشاطه.
فإذا أراد بعد ذلك أن يستعيد نشاطه وحركته شق عليه ذلك، وتمنعت عليه نفسه بالحركة والنشاط.
وهذه القاعدة تعم حالتي النجاح والفشل.
فإن الانسان إذا واجه الفشل في مرحلة من مراحل العمل نزعت نفسه الى الركون الى الراحة والاسترخاء حتى يتخلّص من مرارة الفشل، وهو لا يعلم أن هذا الاسترخاء أضرّ عليه من الفشل نفسه أضعافاً مضاعفة.
فإن الانسان إذا كان على نشاطه وقوته يتدارك الفشل في المحاولات القادمة. أمّا إذا خمد نشاطه واسترخى من العمل فقد لا تعود اليه قوته ونشاطه مرة أخرى.
لقد علّمنا القرآن: أن نصل الحركة بالحركة، والعمل بالعمل، والنشاط بالنشاط، ولا ندع الشيطان يتسلل الى نفوسنا في الفترات التي تفصل بين مراحل العمل.
تعب أصحاب رسول اللّه من مواصلة السير في بعض الغزوات، فشكوا أمرهم الى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فعلَّمهم رسول اللّه طريقة من السير أشبه بالهرولة، فزال عنهم التعب، وشعروا بالراحة.
ولابدّ للانسان الى جنب هذه الاستقامة والتواصل في الحركة من الحذر من الغفلة، فإن لحظة واحدة من الغفلة قد تأتي على كل مكاسب العمل.
فقد غفل المسلمون الرماة في "أحد" عن موقعهم الذي وضعهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فيه، رغم أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أكد عليهم ألاّ يغيروا مواضعهم. إلا أنهم عندما رأوا الهزيمة في صفوف المشركين ورأوا المسلمين ملاحقي المشركين ويأسرونهم، ويجمعون الغنائم… خالفوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وتركوا الموقع الذي جعلهم عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) واندفعوا لجمع الغنائم، فتركوا أظهر المسلمين من دون حماية. فاغتنم خالد بن الوليد هذه اللحظات من الغفلة فهجم على المسلمين من خلف ظهورهم فأصابهم بجروح وأذىً بليغ، يحدثنا عنه القرآن في سورة آل عمران.
إن العمل كله استقامة، ومواصلة، وحذر من الغفلة، وحضور في ساحة العمل، ولحظة من لحظات الاسترخاء والغفلة والغياب قد تكفي للقضاء على عليه، إلاّ أن يعصم اللّه ويحفظ.
وما يصح في العمل في مواجهة الطاغوت والدعوة الى اللّه في "الجهاد الاصغر" يصح تماماً في "الجهاد الاكبر" في مواجهة الهوى والشيطان.
فلابد للانسان في مواجهة الهوى والشيطان ومغريات الحياة الدنيا أن يصل العمل بالعمل، وأن يكون حذراً من الغفلة. والحذر من العقل هو (الذِّكر) فإن ذكر اللّه يأتي في مقابل الغفلة.
وهذان هما الصبر والصلاة.
فإن التواصل في العمل، ومقاومة التعب والاسترخاء، هو (الصبر)، وذكر اللّه هو الصلاة.
وهو ما يأمرنا اللّه تعالى، على طريق ذات الشوكة في الجهاد الاصغر والاكبر على نحو سواء.
(استيعنوا بالصبر والصلاة، إن اللّه مع الصابرين) [٢٥].
وهذا هو الدرس الثالث في هذه السورة المباركة.
الدرس الرابع (والى ربك فارغب)
تعلمنا في الدرس الثالث من هذه السورة: أن على الانسان أن يستجمع كل ما آتاه اللّه تعالى من حول، وقوة، ونشاط في طريق العمل، ولا يتوانى في الحركة، ولا يتخلل عمله فترات الاسترخاء، ويشد العمل بالعمل، ويصل الحركة بالحركة.
وفي هذا الدرس يعلمنا اللّه تعالى أن نوجّه كل حولنا وقوتنا وحركتنا وسعينا وهمتنا الى اللّه.
(والى ربك فارغب).
فلا نرغب في هذه الحركة والعمل الدائم المتصل الى غير اللّه، ولا نطلب مرضاة أحد غير مرضاة اللّه، ولا نطلب وجه أحد غير وجه اللّه.
ونوجه عزمنا، وحركتنا، وهمتنا الى اللّه.
ونجعل رغبتنا فيما عند اللّه، ونحب اللّه، ونحب في اللّه، ونغضب للّه، ونبغض في اللّه، ونسأل اللّه، ونستعين باللّه، ونتوكل على اللّه، ونذكر اللّه، ونوحد اللّه في العبادة والاستعانة وفي الذكر والدعاء، ونتضرع الى اللّه، ونرفع فقرنا وحاجتنا الى اللّه.
ونستغفر اللّه، ونحمد اللّه، ونشكر اللّه، ونطلب رحمته، ولا نرغب في ثواب أحد غير اللّه، ونقطع رجاءنا عن كل أحد غير اللّه، فلا نرجو غير اللّه، ولا نخاف إلاّ من اللّه.
وقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: "اللهم أعوذ بك من الفقر إلاّ اليك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الخوف إلا منك".
وخلاصة هذا المقام هي ما يختصره القرآن في هذه الكلمة الوجيزة: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).
والآية الكريمة دقيقة في التعبير عن المساحة التي يحتلها الارتباط بالله في حياة الانسان "ومحياي ومماتي" وليس فقط "صلاتي ونسكي".
وآيات الكتاب صريحة وواضحة وكثيرة في هذا المعنى (فاصبر لحكم ربك. ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له. وسبحه ليلا طويلا) [٢٦].
(واذكر ربك في نفسك. تضرعاً وخيفة، ودون الجهر من القول. بالغدو والآصال. ولا تكن من الغافلين) [٢٧].
(واذكر اسم ربك. وتبتل اليه تبتيلاً) [٢٨].
(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه. ولا تعد عيناك عنهم. تريد زينة الحياة الدنيا) [٢٩].
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) [٣٠].
(قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا) (٣١).
(ومن يسلم وجهه الى اللّه وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) (٣٢).
(وما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين) (٣٣).
وهذا هو خلاصة المنهج القرآني في التربية.
فلا يدعو، ولا يسأل الانسان غير اللّه، ولا يستعين بأحد غير اللّه، ولا يعبد أحداً غير اللّه ولا يخضع لأحد غير اللّه، ولا يأخذ بحكم أحد غير اللّه ولا يدين بدين غير دين اللّه، ولا يطيع غير اللّه، ولا يوالي أحداً غير اللّه. وهذا هو "الفضل"، وله عرض عريض وهو الشطر الاول من شطري كلمة التوحيد والشطر الثاني الوصل، وهو التوحيد والاخلاص، توحيد اللّه في الخلق، والتدبير، والرزق، وفي العبودية والطاعة والاستعانة، والتشريع، والحكم، والولاية.
والاخلاص للّه في العمل والحب والنية.
وهذا هو الشطر الثاني من كلمة التوحيد.
والشطر الثالث العمل في امتداد توحيد اللّه وهو الحب في اللّه، والغضب للّه، والبغض في الله، والاستعانة بما سخره اللّه تعالى لنا من الادوات والاسباب، والتسليم لمن أمرنا اللّه تعالى بطاعته، والولاء لمن أمرنا اللّه بولائه، وحب من أمر اللّه بحبه، وهذا هو الشطر الثالث للتوحيد، وله عرض، عريض ولسنا نستطيع أن نفهم منهج الاسلام في التوحيد إلاّ من خلال هذه الابعاد الثلاثة.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
١ - طه / ٢٤.
٢ - الحجر / ٩٧.
٣ - القلم / ٤٨.
٤ - المعارج ١٩ - ٢٠.
٥ - الزمر / ٢٢.
٦ - الانعام / ١٢٥.
٧ - محمد / ٧.
٨ - الانعام / ١٢٥.
٩ - هود / ١١٤ - ١١٥.
١٠ - البقرة / ١٥٢.
١١ - الانعام / ٤٤ - ٤٥.
١٢ - الرعد / ٣٢.
١٣ - المؤمنون / ٧٦.
١٤ - البقرة / ١٠٥.
١٥ - الليل / ٥ - ٧.
١٦ - الطلاق / ٢.
١٧ - الطلاق / ٤.
١٨ - الطلاق / ٧.
١٩ - الرعد
٢٠ - نهج البلاغة.
٢١ - الليل / ٥ - ٧.
٢٢ - والاسترخاء غير الراحة، فإن الاجساد والارواح لابد لهما من راحة، حتى يواصل الانسان عمله بالنشاط، ولا نريد نحن بالاسترخاء هذا المعنى الذي لابد منه للانسان في حياته العملية.
٢٣ - المدثر / ٢ و٧.
٢٤ - الطور / ٤٨ - ٤٩.
٢٥ - البقرة / ١٥٣.
٢٦ - الانسان / ٢٣ - ٢٦.
٢٧ - الاعراف / ٢٠٥.
٢٨ - المزمل / ٨.
٢٩ - الكهف / ٢٧ - ٢٩.
٣٠ - الزخرف / ٣٦.
٣١ - الاعراف / ١٢.
٣٢ - لقمان / ٢٢.
٣٣ - البينة / ٥.

أربعة دروس من سورة الانشراح
محمد مهدي الآصفي


نزلت السورة في ظروف الشدّة والعسر، ويعيش المؤمنون اليوم في كثير من البقاع ظروفا مشابهة. وفي السورة دروس هامة أولها: شرح الصدر… شرح الصدر في العمل، وشرح الصدر في المعرفة. ومفتاح شرح الصدر الصبر والصلاة. والدرس الثاني أن العسر ينتهي إلى اليسر حتماً، والعسر سنة دائمة، واليسر سنة مشروطة بالتقوى والتصديق والعطاء. والدرس الثالث: مكافحة حالة الاسترخاء والتراخي في العمل. والدرس الرابع توجيه الحركة والعمل الدائم إلى اللّه سبحانه وتعالى دون سواه.
(ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك. فإنّ مع العسر يُسراً. إنّ مع العُسرِ يُسراً. فإذا فرغت فانصب. والى ربّكَ فأرغب).
ظرف نزول السورة
نزلت هذه السورة في ظروف الشّدة والعسر في مكة في الفترة الصعبة التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والصحابه يَلقون فيها ألوان الاضطهاد والأذى على أيدي عتاة قريش.
في هذه الظروف نزلت هذه السورة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بأربعة دروس، وأيَّة أربعة وهي دروس ضرورية، لابد منها للعاملين، في أي زمان، ومن دون هذه الدروس لا يمكن أن يواصل المؤمنون عملهم في الدعوة الى اللّه.
وهذه الدروس هي:
١ - شرح الصدر، ٢ - الأمل، ٣ - المقاومة، ٤ - - الذكر والارتباط باللّه.
ويعيش الدعاة الى الله اليوم في كثير من أقطار العالم الاسلامي ظروفاً مشابهة للتي عاشها الرعيل الأول من المسلمين بصحبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في مكة، ولذلك تبقى سورة "ألم نشرح" حاجة حقيقية قائمة للعاملين في سبيل اللّه في عصرنا يحتاجون الى استيعاب دورسها.
واستيعاب هذه الدروس والالتزام بها يمكّن الانسان من مواصلة الطريق الى نهايته وتجاوز العقبات الكثيرة الموجودة على هذا الطريق في ظروف غربة الاسلام ومحنته، كما كان سلفنا يحتاجها في مكة في الايام الأولى من ميلاد الرسالة.
الدرس الأول: شرح الصدر
وأول هذه الدروس شرح الصدر.
وهو في مقابل ضيق الصدر. ومن خلال هذا التقابل نستطيع أن نفهم معنى شرح الصدر.
الصدر الضيقة هو الذي لا يستوعب هموم العمل ومتاعب المواجهة، فتطفح عليها المتاعب وهموم العمل، وتتحول الى "الجزع" و"التعب" و"اليأس".
وأما الصدور التي يشرحها اللّه تعالى فإنها تستوعب المشاكل والهموم والمتاعب، وتتحول فيها الى الصبر والمقاومة، والاستعانة باللّه.
ومثل الصدور التي يشرحها اللّه كالبحر، لا يلوّثه شيء مما يلقى فيه من القذارة، أما الساحات الراكدة والمحدودة من الماء فإنَّها سرعان ما تلوّثها الاقذار وتطفح عليها، وتغير لونها وطعمها ورائحتها… والفرق سعة الاناء وضيق الاناء.
وكذلك الصدور الواسعة التي شرحها اللّه، لا تضيق بهموم العمل ومتاعبه، ومهما واجه صاحبها من المشاكل والمتاعب والهموم استوعبتها وتجاوزتها.
بخلاف الصدور الضيّقة، التي تضيق بالقليل من الهموم والمتاعب، وتطفح عليها، فتجزع، وتتعب، وتيأس، والانهيار والتراجع والخذلان النتيجة الطبيعية لهذا الضيق، كما إنَّ الصبر، والمقاومة، وذكر اللّه، والتوكل على اللّه هو النتيجة الطبيعية للصدور الواسعة الى شرحها اللّه.
إذن; الصدور وعاء شخصية الانسان، وهي على طائفتين:
الصدور الواسعة الى شرحها اللّه.
والصدور الضيقة الحرجة.
في الصدور الواسعة تتحول الهموم والمتاعب الى الصبر والذكر، وفي الصدور الضية تتحول الهموم والمتاعب الى الجزع والسقوط.
في الصدور الواسعة تتحول الاساءة الى الحلم والعفو.
وفي الصدور الضيقة تتحول الاساءة الى الانفعال والغضب والانتقام.
وفي الصدور الواسعة تتحول الفتن والمغريات الى التقوى.
وفي الصدور الضيقة تتحول الفتن والمغريات الى الانزلاق والى الأثم.
وفي الصدور الواسعة يتحول الرزق والنعمة الى الشكر.
وفي الصدور الضيقة يتحول الرزق والنعمة الى السكر (سُكر النعمة) والطغيان.
وفي الصدور الواسعة تتحول المصيبة الى الصبر.
وفي الصدور الضيقة تتحول الى الجزع.
وفي الصدور الواسعة يتحول العلم والموقع الى التواضع.
وفي الصدور الضيقة يتحول العلم والموقع الى الغرور.
شرح الصدر في العمل
وأوّل ما يحتاجه الدعاة الى اللّه في ساحة العمل هو شرح الصدر.
ولقد بعث اللّه تعالى رسول وكليمه الى بني إسرائيل وفرعون ليدعوهم الى اللّه… فلم يطلب موسى بن عمران (عليه السلام)، مالا ولا سلطان، ولا قوة من عند اللّه، لينهض بهذه المهمة الصعبة، وإنما سأل اللّه تعالى أن يرزقه شرح الصدر وتيسير الامر، فقال:
(رب اشرح لي صدري. ويسّر لي أمري) [١].
وقدم شرح الصدر على تيسير الأمر.
إن الذي يحتاجه الدعاة الى اللّه على طريق ذات الشوكة أمران:
١ - مضاعفة التحمّل ٢ - وتخفيف الحمل.
وكلاهما سأل اللّه تعالى موسى بن عمران في بداية المهمّة، ولكنّه يقدم السؤال الاول على السؤال الثاني، ويطلب من اللّه تعالى أن يضاعف تحمله أولاً، ثم يطلب من اللّه أن يخفف له الحمل (رب اشرح لي صدرى ويسر لي أمري).
وفي بدايات الدعوة، أيام الشدّة والضيق كان أوّل ما منَّ اللّه به على عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) هو شرح الصدر (ألم نشرح لك صدرك).
وإن ساحة العمل وطريق ذات الشوكة صعب، ولولا إسناد اللّه تعالى ودعمه وتطمينه لنفوس أنبيائه وعباده الصالحين لضاقت صدورهم مما يلاقون.
يقول تعالى، مخاطنا رسوله: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) [٢].
ولكن اللّه تعالى يؤيد أنبياءه مرتين:
يشرح صدورهم، ويزيد ويضاعف في تحملهم أولاً ثم يرفع عنهم الحمل، ويضع عنهم ثقل العمل ثانياً.
(ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك).
ويأمر اللّه تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يصبر ويوسّع صدره لما يلاقي من قومه، ولا يجزع، ولا يفقد صبره - كما ضاق صدر العبد الصالح أيوب (عليه السلام) من قبله بما لاقاه من قومه. (فاصبر لحكم ربك. ولا تكن كصاحب الحوت) [٣].
العلاقات التبادلية بين الصدور وساحات العمل
ومن عجب أن شرح الصدر هو أول متطلبات العمل - كما قلنا قبل قليل، ولا يمكن الانسان أن يدخل ساحة العمل من غير شرح الصدر… وفي نفس الوقت لا يُزود اللّه الانسان بشرح الصدر إلا في ساحة العمل. فليس يكتسب الانسان شرح الصدر في عُقر بيته، وفي أيام العافية واليسر، وإنما يكتسب شرح الصدر في ساحة المواجهة، وفي أيام الشدَّة والضيق. وبين شرح الصدر وساحة العمل علاقة تبادلية "جدليّة"، وهي واحده من سنن اللّه تعالى في ساحات المواجهة وأيام العسر والشدّة.
(ووضعنا عنك وزرك)، ثم بعد ذلك يمن اللّه تعالى على رسوله أنه: وضع عنه وزره (حمله الذي أثقل ظهره).
والوزر، هنا، الثقل، وهو ثقل العمل والرسالة الذي كاد أن يُنقضُ ظهر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لولا تأييد اللّه تعالى وإسناده.
وتفسير "الوزر" بالذنب، أو كما يقول بعضهم تفسير بالنبوة، ولاذوق، والذي يناسب شرح الصدر هو تخفيف الحمل، كما في دعاء موسى بن عمران (عليه السلام).
ومعنى "وضع الوزر" تخفيف الحمل بالإسناد والتأييد، وقد قاتل الملائكة دون رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في معركة بدر ودافعوا عنه، وأنزل اللّه عليهم المطر، وكانت الارض التي عليها المسلمون يومئذ رمليّة فتلبدت، والارض التي عليها المشركون طينية فتطيّنت وتزلقت بهم، وقد شقّ اللّه تعالى البحر لموسى (عليه السلام) فاجتاز هو وبنو إسرائيل البحر، فلّما دخله فرعون وجنده رجعت المياه الى حالها فغرقوا في البحر. ولقد أهلك اللّه قوم عاد وثمود وقوم لوط ودَمَّر ديارهم تدميراً. واللّه تعالى يقول (وإن اللّه لمع المحسنين). يرفع عنهم ثقل العمل، ويضع عنهم عبء الرسالة، ويخفّف عنهم متاعب الطريق، وينصرهم، ويهلك أعداءهم، وليس يكلهم الى أنفسهم في ساحة المواجهة والصراع، وهذا هو قوله (ووضعنا عنك وزرك) والله أعلم ببصائر كتابه.
الهلع
مقابل شرح الصدر… "الهلع".
يقول تعالى: (إن الانسان خلق هلوعاً. إذا مسّه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعاً) [٤].
وحالة الهلع هي حالة ضيق الصدر.
ضيق الصدر: الجزع عند الابتلاء بالشرّ، فإنَّ الشر يفيض ويطفح على الصدور الضيقة، أمّا الصدور الواسعة فإنها تستوعب الشر، وتحوله الى صبر وحلم وذكر، قلنا وبنفس السبب (إذا مسّه الخير منوعاً).
فإنَّ مردود الخير والنعمة في الصدور الضيّقة الكفران والطغيان والشُح والمنع.
يقول تعالى (إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى).
إن الطغيان والكفر والمنع والشحّ من إفراز الصدور الضيقة، أما الصدور الواسعة فمردودها الذكر، والشكر، والعبودية، والصبر، والحلم، والعطاء.
شرح الصدر في المعرفة
ماتقدم من حديث يخصّ شرح الصدر في المعاناة والابتلاء، وهو باب واسع من شرح الصدر، والباب الآخر لشرح الصدر المعرفة والبصيرة.
والصدور اُوعية المعرفة. كما هي أوعية الابتلاء. فمن الصدور صدور شرحها اللّه تعالى للمعرفة، فتعي وتبصر، وتنفتح على المعارف، وتتلقّى من النور والوعي مالا يتلقاه الآخرون.
ومن الصدور صدور قاسية، لايدخلها النور، ولا المعرفة، ولا تتفتح على الهداية، وبينها درجات ومراتب، بعضها فوق بعض.
يقول تعالى: (أفمن شرح اللّه صدره للاسلام. فهو على نور من ربه. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه. أولئك في ضلال مبين) [٥].
الصدور التي شرحها اللّه يدخلها النور. وأما القاسية فلا ينفذ اليها النور، إلا إذا نفذ النور الى عمق الحجارة الصلدة…. وليس العجز في النور، ولكن في الصدور، فإن النور ينزل على كل مكان من غير حساب، ولكن الصدور تحتجب عن النور عندما تكون قاسية.
أسباب الشرح
والله سبحانه هو الذي يشرح الصدور، وهو الذي يجعل الصدور ضيّقة حرجة، مافي ذلك شك.
يقول تعالى: (فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّـقاً حرجاً. كأنّما يصّـعّد في السماء. كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون) [٦].
والهداية والضلالة هي الانفتاح والانغلاق على النور. فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره، فيدخل الى قلبه النور، ومن يرد أن يُضلّه يجعل صدره ضيقاً، فينغلق على النور.
وفي القرآن تأكيد على هذا المعنى في أكثر من موضع، يقول تعالى (ألم نشرح لك صدرك)، (رب اشرح لي صدري)، (أفمن شرح اللّه صدره للاسلام)، (فمن يرد اللّه أن يشرح صدره للاسلام) ونظائر ذلك في كتاب اللّه.
وكلّها يؤكد أنّ أمر الصدور بيد اللّه، يشرحها ويضيّقها… فإذا شرحها اللّه دخلها النور والمعرفة، وإذا ضيّقها اللّه انغلقت على النور والمعرفة… ونظير ذلك "النصر" فإنه من عند اللّه من دون ريب، والقرآن يقرر هذه الحقيقة وينسب النصر الى اللّه في أكثر من موضع: (إذا جاء نصر اللّه والفتح)، (وما النصر إلاّ من عند الله)، (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)، (والله يؤيد بنصره من يشاء).
إلا أن ذلك أحد وجهي هذه القضية، وهو حق وصحيح، والوجه الآخر، أنّ أسباب هذا النصر الالهي بيد الانسان نفسه، فإذا شاء أن ينصره اللّه نصره اللّه وإذا لم يشأ لا ينصره اللّه.
تأمّلوا الى الوجه الآخر من هذه القضية (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبّت أقدامكم) [٧]، (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة)، (ولينصرنّ اللّه من ينصره).
وهذا هو الوجه الثاني لهذه القضية. ولا يشق علينا أن نجمع هذين الوجهين معاً في تصوّر واحد متكامل، يكمّل كلّ من الوجهين الوجه الآخر.
وكذلك الأمر في "شرح الصدر"و "ضيق الصدر" فإن أسباب شرح الصدر وضيق الصدر بيد الانسان، واللّه تعالى يشرح الصدور ويضيقها بقانون وسنّة، كما هو شأنه تعالى في كل شيء، وليس لسنة اللّه تحويل ولا تبديل.
والآية رقم (١٢٥) من سورة الأنعام نفسها تبيّن هذه السُنّة بعدما تبين أن أمر الشرح والضيق في الصدور بيد اللّه. وهذا القانون هو: (كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يؤمنون) [٨].
صحيح أن اللّه تعالى هو الذي يشرح الصدور ويضيقها… ويبعث فيها الحياة ويميتها، ولكن هذا الضيق والرجس الذي يصيب الانسان بسبب الانسان نفسه، الذي أعرض عن اللّه، وصَدّ عن سبيل اللّه. وهو عقوبة ونتيجة لصدوده وإعراضه عن اللّه.
ومن أفظع الخطأ في فهم كتاب اللّه أن نفكك بصائر الكتاب، بعضها عن بعض، ونحاول أن نفهم بعضها مفصولاً عن بعض. إنَّ هذا المنهج التفكيكي في فهم القرآن يؤدي الى أخطاء كبيرة، ويتسبّب في ظهور نحل ومذاهب منحرفة في فهم كتاب اللّه وتأويله.
مفتاح شرح الصدر
مفتاح شرح الصدر: "الصبر والصلاة".
والدليل على ذلك سورة هود. وقد نزلت هذه السورة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أيام الشدّة والبأساء والضرّاء، لتبعث السكينة والطمأنينة على القلب الكبير في مواجهة عتاة قريش.
وتقصّ السور على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قصص الانبياء من قبله، كابرا بعد كابر، وتذكرّه (صلى الله عليه وآله) بمالاقوه من أقوامهم من الاضطهاد والعذاب والعناد واللجاج، وكيف واجه الانبياء (عليهم السلام) هذا العناد والطغيان بالصبر والمقاومة.
ثم تأمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بالاستقامة والثبات على هدى الأنبياء من قبله: (فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك). وتختم السورة هذا الدرس العظيم بهذه الآية الكريمة التي هي مفتاح كل مارزق اللّه أنبياءه (عليهم السلام) من شرح الصدر، والثبات، والمقاومة: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل. إنّ الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين. واصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين) [٩].
ومن سورة البقرة نقرأ نفس المعنى: (واستعينوا بالصبر والصلاة. إن اللّه مع الصابرين) [١٠].
وإنما يأمرنا اللّه تعالى أن نستعين بالصبر والصلاة، لنواجه بهما هموم العمل ومتاعب الحياة وعقبات طريق ذات الشوكة. إن الصلاة ذكر اللّه (أقم الصلاة لذكري).
وفي ذكر اللّه كل ما يحتاجه العامل السالك الى اللّه من زاد الطريق، وحول، وقوة، وسكون، واطمئنان، وتوكل، وثقة باللّه، فيشدّ الانسان حبله بحبل الله، فيتحوّل ضعفه الى قوة، وفقره الى غنى باللّه، وجهله الى سداد ومعرفة، وبذكر اللّه يخرج الانسان من أفق الانسان الضيق الى رحاب الرحمان الواسع. وماذا يحتاج الانسان بعد ذلك… هذا عن "الصلاة".
وفي "الصبر" المقاومة والثبات.
وبين الصبر وشرح الصدر علاقة تبادلية. فإن الصبر على الابتلاء يمنح الانسان شرح الصدر وهو في نفس الوقت من نتائج شرح الصدر.
وهذا باب واسع من المعرفة، سبق أن أشرنا اليه. إن الانسان لا يكتسب شرح الصدر وهو قابع في زاوية بيته. فإذا دخل ساحة المواجهة، عصره البلاء عصراً، وصبر على المواجهة والابتلاء.
وعندئذ يكون الصبر من إفراز ونتائج شرح الصدر. ومن خلال هذه العلاقة التبادلية بين "الصبر" و"الشرح" يتصاعد الصبر والشرح. فالصبر يزيد شرح الصدر وشرح الصدر يزيد الصبر.
وكذلك الأمر بين الصلاة والشرح الصدر.
بالصلاة يشرح اللّه صدر عباده، وإذا شرح اللّه صدر عبده أقبل العبد على الصلاة وذكر اللّه، ووجد في الصلاة قرة العين، وراحة القلب.
الدرس الثاني: (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً).
هذه سُنّة من سنن اللّه في التاريخ، ووعي هذه السُنَّة ينفع العاملين الدعاة الى اللّه كثيراً. ومن يعرف أن من بعد العسر يسراً لا يستغرقه العسر، ولا يسقط في العسر.
أما إذا كان لا يعرف الانسان أن من وراء العسر يسراً فإن العسر لا محالة يستهلكه ويستغرفه، تماماً كما إذا كان الغريق يرى قارب النجاة يقترب منه سريعاً، أو يصرخ فلا يسمعه أحد ولا يراه أحد، والامواج تقذفه وتبتلعه.
إن سنة اليسر بعد العسر من السنن الالهية الاكيده التي ورد التأكيد عليها في القرآن في مواضع عديدة.
والايمان بهذه السنة ووعيها من ضرورات العمل.
ولذلك; سوف نتوقّف عند هذه السنة بعض الوقت لنتأمل فيها من خلال كتاب اللّه.
من الاستدراج والابتلاء
سُنّة الاستدراج وسنّة الابتلاء سنتان متقابلتان.
سنة الاستدراج بنعمة بعدها سقوط ومحق وعذاب، وهذه النعمة ظاهرها رحمة وباطنها النقمة يستدرج فيها اللّه تعالى المسرفين والظالمين بالنعمة فتلهيهم النعمة، وتبطرهم، فينخر بنيانهم من الداخل، فينهار، وذلك هو المحق والسقوط في حياة هذه الامم.
وهذا السقوط يتم عادة، بغتة، وبصورة مفاجئة كما حدث ذلك في عصرنا للاتحاد السوفيتي.
يقول تعالى (فلمّا نسوا ما ذكّروا به. فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما اُوتوا أحذناهم بغتة. فاذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد للّه رب العالمين) [١١].
وإنّما يفتح اللّه أبواب النعمة عليهم ليفرحوا، ويتمادوا في غيّهم وطغيانهم، فيأخذهم اللّه بغتة، أخذ عزيز مقتدر، وهذه السنّة هي نفسها سُنّة الاملاء في القرآن، وإنما يسميها القرآن بالاستدراج لأن اللّه تعالى يستدرج بها المسرفين الى السقوط، ويسميها القرآن بـ "الاملاء" لأن اللّه يُملي فيها للمسرفين، والإملاء هو الإمداد، كما يقول الراغب في المفردات (فأمليت للذين كفروا. ثم أخذتهم فكيف كان عقاب) [١٢].
هذا عن سنة الاستدراج والاملاء وسنّة الابتلاء بعكس سنة الاملاء: يبتلي اللّه تعالى فيها عباده بالشدّة والعسر والضيق حتى يذكروا اللّه ويتضرعوا ويقبلوا على اللّه.
(ولقد أخذناهم بالعذابِ فما استكانوا لربهم وما يتضرّعو) [١٣].
يقول تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات. وبشر الصابرين) [١٤].
وهذه هي سنّة الابتلاء، وهي سنة عامة، شاملة. والمعاناة، والعذاب، والضيق، والشدّة في هذه السنة ظاهرها عذاب، وباطنها الرحمة. بعكس سنّة الاستدراج.
سنة التيسير
ويعقب الابتلاء التيسير والفرج.
وكما أنّ سُنة الابتلاء عامّة، كذلك الفرج بعد الشدة سنّة إلهية حتمية، في دورة التاريخ. فلن يبتلي اللّه تعالى عباده بابتلاء في دنياهم وعافيتهم إلا ويعقب هذا الابتلاء فرج ورخاء. بشروط نذكرها.
يقول تعالى: (من أعطى وأتّقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) [١٥]، (ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً) [١٦]، (ومن يتق اللّه نجعل له من أمره يُسراً) [١٧]، (سيجعل اللّه بعد عسر يسراً) [١٨]، (ونيسّرك لليسرى) [١٩].
وتأكيدات القرآن وإشاراته الى ذلك كثيرة، وهذه الآيات بمجموعها ترسم حدود هذه السنة الالهية.
يسر مع العسر وليس بعده
ومن رقائق التعبير في سورة الانشراح: أن اللّه تعالى يقول: (فإن مع العسر يسراً) واليسر يأتي بعد العسر عادة، ولكن القرآن يريد أن يقرّب اليسر الى العسر للناس، ويوحي اليهم بالتصاق اليسر بالعسر، فيعبر عن هذا التجاوز والتعاقب القريب بين اليسر والعسر بكلمة (مع) (فان مع العسر يسراً. إنّ مع العسر يسراً).
وهو من رقائق تعبير القرآن، فإنّ لكلمة "مع" من الضلال والأداء ماليس لكلمة "بعد".
عسر واحد لا يغلب يسرين
ومن لطائف التعبير في آيتي اليسر تنكير اليسر في الآيتين، وتعريف اليسر فيهما بالالف واللام (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسراً) والقاعدة: أن المعرفة إذا اُعيدت في الكلام المتصل على نحو التعريف، كان المقصود به نفس الشخص الاول، بخلاف النكرة، إذا أعيدت في الكلام المتصل على نحو التنكير.
فإذا قلنا: "إذا كسبت الدينار فأنفق الدينار" كان المقصود نفس الدينار. وإذا قلنا: "إذا كسبت ديناراً فأنفق ديناراً" لم يكن المراد بالدينار الثاني نفس الدينار الاول.
وفي آيتي اليسر في سورة الانشراح يرد اليسر على نحو التنكير في الايتين، بينما يرد العسر فيهما على نحو التعريف… فلابد أن يكون المقصود من العسر فيهما عسراً واحداً، بخلاف اليسر.
والسر في ذلك أن الالف اللام في العسر الثاني للعهد وهو إشارة الى العسر الاول، فيكون واحداً بخلاف اليسر.
وقد روي أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) خرج يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك ويقول: "لن يغلب عسر يسرين" (فإن مع العسر يسراً. إن مع العسر يسرا).
وعن ابن عباس قال: يقول اللّه: خلقت عسراً واحداً وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين).
باقة من الحديث
عن عبد اللّه بن عباس قال: ركب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يوماً على إبل، فأذهبني (فأركبني) معه، فقال في الطريق: يا ابن عباس "احفظ اللّه يحفظك. احفظ اللّه تجده أمامك. تعرّف الى اللّه في الرخاء يعرفك في الشَّدة. وإذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه. قد مضى العلم بما هو كائن. فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لما قدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب اللّه عليك لما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكرهه خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً".
وعن علي (عليه السلام) "إن اللّه تعالى جعل مع كل قحط خصباً، ومع كل مأساة رخاء".
وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أيضاً: "لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال الزمان) [٢٠].
الدعاء باليسر بعد العسر
وقد ورد في الدعاء طلب اليسر بعد العسر كثيراً.
ومن ذلك: "واجعل لنا من أمرنا يسراً. واختم لنا بالسعادة… الى منتهى اجالنا".
وفي دعاء الأسحار: "اللهم يسرّ لي ما أخاف تعسيره، فإنَّ تيسير ما أخاف تعسيره عليك سهل يسير، ويسرّ لي ما أخاف حزونته، ونفّس عني ما أخاف ضيقه، وكفّ عني ما أخاف همّه، واصّرف عني ما أخاف بليته يا أرحم الراحمين".
وعي العسر
"العسر" و"اليسر" سنتان إلهيتان حتميتان، ووعي هاتين السنتين يُمكّن الانسان من الانتفاع بهما والإفادة منهما، فإن الناس، كل الناس، يخضعون لسنن اللّه، وعَوا هذه السنن أم لم يعوها، غير أن الذي يعي السُنة يتحمل السنّة وينتفع منها بشكل أفضل. والذي لا يعي السنة تشق عليه "إذا كانت ابتلاءً"، ويخسر كثيراً من مواقع الاستفادة من هذه السنن.
ولذلك كان الاهتمام بتبيان وتفسير السنن في القرآن، وقد تكررت الإشارة الى سُنة العسر واليسر في القرآن.
ففي "آل عمران" يرسم لنا القرآن صورة دقيقة لسُنّة "العسر"، تتضمّن كثيراً من الحقائق والايحاءات.
يقول تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله. وتلك الايام نداولها بين الناس. وليعلم اللّه الذين آمنوا. ويتخذ منكم شهداء).
وفي هذه الآية الكريمة يعلمنا اللّه ثلاث دروس عن العسر واليسر.
الدرس الاول: أن العسر من خصائص المعركة، فمن يدخل المعركة يمسه شيءٌ من العسر والشدة، وتصيبه قروح المعركة، ولا تختص هذه السنة بالمؤمنين، فإن مايصيب الكفار من القروح من المعركة لا تقل عما يصيب المؤمنين، وهكذا تكون المعارك: (إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله).
والدرس الثاني: أن اللّه تعالى جعل الأيام تداولاً بين الناس، يقلّبهم من يوم الى يوم، فيذيقهم بعد نشوة الانتصار في بدر مرّ النكسة في اُحد… وفي هذا التقليب منافع للناس. فإن نشوة "بدر"، إذا كانت تمتد بالمسلمين وتتّصل، ولم تعقبها نكسة أحد أصاب المجتمع الاسلامي يومذاك حالة الترهّل وتجمعت حوله العناصر الضعيفة وغير الصالحة والمنافقة، وداخل المسلمين حتى الصالحين منهم وأصحاب بدر الغرور والعجب، وكان لذلك أسوأ الأثر في دورهم القيادي في إمامة الارض (وتلك الايام نداولها بين الناس).
والدرس الثالث: أن هذه المحن والشدائد هي التي تفرز الرجال الأشداء، والذين يتخد اللّه منهم الشهداء والأئمة والقادة.
وأما أيام العافية واليسر فلا تأتي بالضعاف الذين يؤثرون العافية على التضحية في كل شدة ومحنة (وليعلم اللّه الذين آمنوا. ويتخذ منكم شهداء).
والدرس الرابع: التمحيص والمحق، يقول تعالى: (وليمحص اللّه الذين آمنوا. ويمحق الكافرين).
في مثل هذه الابتلاءات والمحن يُمحّص اللّه تعالى المؤمنين، ويشذّبهم، ويهذب نفوسهم، ويأخذ عنهم الميل الى العافية، والضعف، والجبن، وحب الدنيا، ويبقي لهم الشجاعة، والتضحية، والقوة، والزهد في الدنيا (وهذا هو التمحص) و (يمحق الكافرين) أمّا الكافرون، فتمحقهم المحنة، وتهلكهم… والمحنة هي المحنة لا فرق، ولكن الأثر يختلف بين التمحيص والمحق، وذلك أن المؤمنين يقاومون المحنة، فتمحصهم، والكافرون يسقطون في الفتنة والمحنة فتمحقهم. أرأيت النار تشتعل في الخشب والحديد، فتحرق الخشب وتصهر الحديد وتخلصه مما يعلق به من ذرات التراب. ذلك أن الحديد يقاوم فيصهر، النار والخشب لا يقاوم فتحرقه النار… وكذلك تعمل الفتن والمحن في نفوس المؤمنين والكافرين.
وعي اليسر
العسر سنة مطلقة، أما اليسر فهو سنة مشروطة وليست مطلقة، ووعي هذه الحقيقة على درجة عالية من الأهمية، لأن سنن اللّه تعالى في المجتمع والتاريخ على شكلين:
مطلقة ومشروطة
والسنن المطلقة هي التي تعم الناس جميعاً من دون قيد وشرط. مثل سنة الابتلاء.
(ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات).
وهذه سُنَّة مطلقة تعم الناس جميعاً ولا يخلو عنها إنسان قط، وفيها ينجح ناس ويفلحون، ويسقط ناس ويهلكون. ولا دخل لإرادة الانسان في هذه السنة.
وسنة عمومية العذاب - إذا نزل العذاب للكافرين وللمؤمنين - من السنن المطلقة، يقول تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة).
وأما السنن المشروطة فهي مفيدة بـإرادة الانسان واختياره وفعله، مثل سنّة "التغيير" وسنّة "النصر".
تأملوا في قوله تعالى في سنة (التغيير): (إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). إن التغيير من عند اللّه بالتأكيد، وهي سنة من سنن اللّه في التاريخ والمجتمع، ولكن اللّه لا يغير ما بأمة حتى يغيروا ما بأنفسهم ومالم يغيروا ما بأنفسهم لا يغير اللّه ما بهم، وبتعبير آخر مالم يغيروا باطنهم لا يغير الله ظاهرهم.
وهذه سنة مشروطة ومفيدة.
وسنة "النصر" سنة إلهية ثابتة كتبها اللّه تعالى وسنها على نفسه (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوى عزيز) ولكنها سنّة مشروطة.
تأملوا في الآيات التالية: (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم)، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، (من ينصر اللّه ينصره).
وسنة اليسر بعد العسر من سنن اللّه الحتمية بدون ريب، ولكنها سنة مشروطة وليست مطلقة. تأملوا في الآيات التالية: (من أعطى واتقى. وصدّق بالحسنى. فسنيسره لليسرى) [٢١].
والشرط هنا العطاء والتقوى والتصديق (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً)، (ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً).
والشرط هنا التقوى.
وهذا اليسر المشروط بالتقوى والتصديق والعطاء يُحفّز الانسان في ظروف الابتلاء والشّدة للعمل والتقوى والعطاء، حتى بعجّل اللّه تعالى له بالفرج. أما اليسر المترقب غير المشروط فليس فيه تحفيز ولا تحريك.
وهذا وعي مزدوج، وكلا الوعين نافع ومفيد للانسان. وعي أن اليسر بعد العسر من اللّه، وليس من الانسان، حتى لا تأخذ الانسان نشوة اليسر وسكر العافية والرفاه، ويتواضع للّه، ويشكر في اليسر، كما يصبر على بلائه في العسر.
والوعي الثاني أن اليسر الذي يأتي من عند اللّه مشروط بعطاء الانسان وعلمه وتقواه وجهده، حتى لا يخمل، فيكل الأمر الى الغيب، ويكون مثله مثل بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: (اذهب أنت وربك فقاتلا. إنا هاهنا قاعدون).
إن تعاليم القرآن في الوقت الذي تؤكد على عمق التوحيد في كل نبي، في الضر والعسر واليسر، والعلم، والشدة، والفرج في نفس الوقت تشدُّ هذه السنن بـإرادة الانسان واختياره، وفعله، وعطائه ليؤدي دور الخلافة والإمامة على وجه الأرض.
فالنصر من اللّه بالتأكيد، ولكنه شّده بعمل الانسان واختياره وعطائه.
واليسر من اللّه من دون شك، ولكنه مشروط في نفس الوقت، بعمل الانسان وجهد الانسان، .
وهذا الوعي المزدوج من خصائص كتاب اللّه. ولعل قاعدة الأمر بين أمرين التي وضع أساسها أهل البيت (عليهم السلام) في الثقافة الاسلامية لا تكون بعيدة عن هذا الوعي المزدوج لسنن اللّه.
الدرس الثالث: (فإذا فرغت فانصب)
وهذا درس هام من دروس الحركة والعمل: إن الاسترخاء في العمل من أضر الاشياء على حركة العامل، وعمله. وعلى الانسان أن يكافح حالة الاسترخاء، ولا يسمح لها أن تتخلّل فترات عمله، ويواصل التحرك والعمل، ليلاً ونهاراً، من غير استرخاء حتى في الفترات التي تتخلّل الأعمال عندما يفرغ الانسان من عمل، وقبل أن يدخل في المرحلة اللاحقة له.
والآية الكريمة تأمر المؤمنين - واللّه أعلم ببصائر كتابه - ألا يسمحوا أن تتخلل أعمالهم فترات الاسترخاء، يقول تعالى: (فإذا فرغت فانصب)، أي إذا فرغت من مرحلة من العمل فانصب نفسك لمرحلة أخرى من العمل من دون تراخي.
والنصب يأتي في اللغة بمعنيين: بمعنى التعب والجهد وبمعنى القيام، وعلى كلا المعنيين يستقيم تفسير الآية الكريمة بالمعنى الذي ذكرناه، سواء قلنا: "فإذا فرغت من عمل فاجهد نفسك لعمل آخر" أو: "فإذا فرغت من عمل فقم وانهض لعمل آخر".
والمعنى على كل حال مكافحة حاله الاسترخاء [٢٢] والتراخي في العمل.
فلا يفرغ الانسان من شوط من العمل حتّى يدخل شوطاً آخر… ولا يسمح لحرارة العمل أن تبرد. فإن حرارة العمل إذا خفت في فترات الاسترخاء فليس من اليسير استعادة حرارة العمل من جديد… وللحرارة والبرودة في الحركة والعمل والنشاط قانون ونظام، كما أن لهما قانون في الفيزياء… وقانون الحرارة في العمل والحركة: أن حرارة العمل تتصاعد بالمواصلة، وتخف وتتنازل بسرعة في فترات الاسترخاء، وما ينزل من حرارة العمل في فترات الاسترخاء لا يمكن استعادته بسهولة،
ولذلك نجد التأكيد على مواصلة العمل ليلاً ونهاراً في القرآن من دون تراخي.
وقد كانت سورة المزمل من أوائل مانزل من الوحي على قلب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يخاطب الله تعالى فيها رسوله (صلى الله عليه وآله): (قم الليل إلاّ قليلاً… إن لك في النهار سبحاً طويلاً)، ومع السبح الطويل والشاق الذي ينتظره (صلى الله عليه وآله) في النهار يأمره اللّه تعالى أن يقوم الليل إلاّ قليلاً، نصفه أو ينقص منه أو يزيد عليه.
وفي سورة المدثر يأمر اللّه تعالى نبيه بالقيام والمقاومة معاً.
(قم فأنذر… ولربك فاصبر) [٢٣].
ويقول تعالى: (واصبر لحكم ربك. فإنك بأعيننا. وسبح بحمد ربك حين تقوم. ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) [٢٤].
صبر، ومقاومة، واستقامة في النهار، (واصبر لحكم ربك)، ولا تتردد، ولا تتوقف، ولا تتنازل، "فإنك بأعيننا، نراك، وندعمك ونسندك، ونسددك"، ثم (وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم): وهذا التسبيح الطويل حين تقوم، وفي الليل وإدبار النجوم هو الزاد الذي يعين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لمواصلة المقاومة والصبر في النهار… وهذا هو منهج القرآن في العمل، عمل متصل وشاق، في الليل والنهار، صبر وحركة واستقامة في النهار، تسبيح وذكر في الليل… بهذا المزيج من المقاومة والتسبيح يتم العمل.
في حالات الاسترخاء يسرق الشيطان حرارة العمل من نفوس العاملين.
إن لحظة الاسترخاء من اللحظات الضارة المهلكة في حياة الانسان وهي كثيرة، أهمها:
لحظة "الغفلة"، ولحظة "النشوة"، ولحظة "الاسترخاء".
في لحظة الغفلة قد يخسر الانسان كل نتائج عمله.
فإن الشيطان يرصد الانسان رصداً دقيقاً، فينقضُّ عليه في لحظة واحدة من لحظات الغفلة فيسلبه كل ماكسبه في حياته في أيام العمل، لولا أن يعصمه الله تعالى ويبعده من الخبيث. ولذلك ورد التحذير الشديد من لحظات الغفلة.
لحظة الخطر الثانية، لحظة النشوة، فإن لحظات النشوة، إذا لم يسيطر صاحبها عليها تؤدّي به الى السُّكر والغرور والعجب والطغيان، وهي من أخطر الحالات على الانسان.
وقد دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مكة، ودخل المسجد الحرام وهو مطأطئ الرأسه تواضعاً للّه على مارزقه من الفتح - حتى كاد أن يمسّ رأسه قربوس مركبه.
ويأمر اللّه تعالى المسلمين في ساعات نشوة النصر والفتح الكبير بالتسبيح والاستغفار، (إذا جاء نصر اللّه والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً).
ولحظة الخطر الثالثة هي لحظة "الاسترخاء" بين عمل وعمل، فإن الانسان إذا ركن الى الاسترخاء، بعد الانتهاء من شوط من عمل أو بعد الانكسار والهزيمة في شوط من العمل سلبه الشيطان حرارة العمل ونشاطه.
فإذا أراد بعد ذلك أن يستعيد نشاطه وحركته شق عليه ذلك، وتمنعت عليه نفسه بالحركة والنشاط.
وهذه القاعدة تعم حالتي النجاح والفشل.
فإن الانسان إذا واجه الفشل في مرحلة من مراحل العمل نزعت نفسه الى الركون الى الراحة والاسترخاء حتى يتخلّص من مرارة الفشل، وهو لا يعلم أن هذا الاسترخاء أضرّ عليه من الفشل نفسه أضعافاً مضاعفة.
فإن الانسان إذا كان على نشاطه وقوته يتدارك الفشل في المحاولات القادمة. أمّا إذا خمد نشاطه واسترخى من العمل فقد لا تعود اليه قوته ونشاطه مرة أخرى.
لقد علّمنا القرآن: أن نصل الحركة بالحركة، والعمل بالعمل، والنشاط بالنشاط، ولا ندع الشيطان يتسلل الى نفوسنا في الفترات التي تفصل بين مراحل العمل.
تعب أصحاب رسول اللّه من مواصلة السير في بعض الغزوات، فشكوا أمرهم الى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فعلَّمهم رسول اللّه طريقة من السير أشبه بالهرولة، فزال عنهم التعب، وشعروا بالراحة.
ولابدّ للانسان الى جنب هذه الاستقامة والتواصل في الحركة من الحذر من الغفلة، فإن لحظة واحدة من الغفلة قد تأتي على كل مكاسب العمل.
فقد غفل المسلمون الرماة في "أحد" عن موقعهم الذي وضعهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فيه، رغم أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أكد عليهم ألاّ يغيروا مواضعهم. إلا أنهم عندما رأوا الهزيمة في صفوف المشركين ورأوا المسلمين ملاحقي المشركين ويأسرونهم، ويجمعون الغنائم… خالفوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وتركوا الموقع الذي جعلهم عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) واندفعوا لجمع الغنائم، فتركوا أظهر المسلمين من دون حماية. فاغتنم خالد بن الوليد هذه اللحظات من الغفلة فهجم على المسلمين من خلف ظهورهم فأصابهم بجروح وأذىً بليغ، يحدثنا عنه القرآن في سورة آل عمران.
إن العمل كله استقامة، ومواصلة، وحذر من الغفلة، وحضور في ساحة العمل، ولحظة من لحظات الاسترخاء والغفلة والغياب قد تكفي للقضاء على عليه، إلاّ أن يعصم اللّه ويحفظ.
وما يصح في العمل في مواجهة الطاغوت والدعوة الى اللّه في "الجهاد الاصغر" يصح تماماً في "الجهاد الاكبر" في مواجهة الهوى والشيطان.
فلابد للانسان في مواجهة الهوى والشيطان ومغريات الحياة الدنيا أن يصل العمل بالعمل، وأن يكون حذراً من الغفلة. والحذر من العقل هو (الذِّكر) فإن ذكر اللّه يأتي في مقابل الغفلة.
وهذان هما الصبر والصلاة.
فإن التواصل في العمل، ومقاومة التعب والاسترخاء، هو (الصبر)، وذكر اللّه هو الصلاة.
وهو ما يأمرنا اللّه تعالى، على طريق ذات الشوكة في الجهاد الاصغر والاكبر على نحو سواء.
(استيعنوا بالصبر والصلاة، إن اللّه مع الصابرين) [٢٥].
وهذا هو الدرس الثالث في هذه السورة المباركة.
الدرس الرابع (والى ربك فارغب)
تعلمنا في الدرس الثالث من هذه السورة: أن على الانسان أن يستجمع كل ما آتاه اللّه تعالى من حول، وقوة، ونشاط في طريق العمل، ولا يتوانى في الحركة، ولا يتخلل عمله فترات الاسترخاء، ويشد العمل بالعمل، ويصل الحركة بالحركة.
وفي هذا الدرس يعلمنا اللّه تعالى أن نوجّه كل حولنا وقوتنا وحركتنا وسعينا وهمتنا الى اللّه.
(والى ربك فارغب).
فلا نرغب في هذه الحركة والعمل الدائم المتصل الى غير اللّه، ولا نطلب مرضاة أحد غير مرضاة اللّه، ولا نطلب وجه أحد غير وجه اللّه.
ونوجه عزمنا، وحركتنا، وهمتنا الى اللّه.
ونجعل رغبتنا فيما عند اللّه، ونحب اللّه، ونحب في اللّه، ونغضب للّه، ونبغض في اللّه، ونسأل اللّه، ونستعين باللّه، ونتوكل على اللّه، ونذكر اللّه، ونوحد اللّه في العبادة والاستعانة وفي الذكر والدعاء، ونتضرع الى اللّه، ونرفع فقرنا وحاجتنا الى اللّه.
ونستغفر اللّه، ونحمد اللّه، ونشكر اللّه، ونطلب رحمته، ولا نرغب في ثواب أحد غير اللّه، ونقطع رجاءنا عن كل أحد غير اللّه، فلا نرجو غير اللّه، ولا نخاف إلاّ من اللّه.
وقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: "اللهم أعوذ بك من الفقر إلاّ اليك، ومن الذلّ إلا لك، ومن الخوف إلا منك".
وخلاصة هذا المقام هي ما يختصره القرآن في هذه الكلمة الوجيزة: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).
والآية الكريمة دقيقة في التعبير عن المساحة التي يحتلها الارتباط بالله في حياة الانسان "ومحياي ومماتي" وليس فقط "صلاتي ونسكي".
وآيات الكتاب صريحة وواضحة وكثيرة في هذا المعنى (فاصبر لحكم ربك. ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً. واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له. وسبحه ليلا طويلا) [٢٦].
(واذكر ربك في نفسك. تضرعاً وخيفة، ودون الجهر من القول. بالغدو والآصال. ولا تكن من الغافلين) [٢٧].
(واذكر اسم ربك. وتبتل اليه تبتيلاً) [٢٨].
(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه. ولا تعد عيناك عنهم. تريد زينة الحياة الدنيا) [٢٩].
(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين) [٣٠].
(قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا) (٣١).
(ومن يسلم وجهه الى اللّه وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) (٣٢).
(وما أمروا إلاّ ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين) (٣٣).
وهذا هو خلاصة المنهج القرآني في التربية.
فلا يدعو، ولا يسأل الانسان غير اللّه، ولا يستعين بأحد غير اللّه، ولا يعبد أحداً غير اللّه ولا يخضع لأحد غير اللّه، ولا يأخذ بحكم أحد غير اللّه ولا يدين بدين غير دين اللّه، ولا يطيع غير اللّه، ولا يوالي أحداً غير اللّه. وهذا هو "الفضل"، وله عرض عريض وهو الشطر الاول من شطري كلمة التوحيد والشطر الثاني الوصل، وهو التوحيد والاخلاص، توحيد اللّه في الخلق، والتدبير، والرزق، وفي العبودية والطاعة والاستعانة، والتشريع، والحكم، والولاية.
والاخلاص للّه في العمل والحب والنية.
وهذا هو الشطر الثاني من كلمة التوحيد.
والشطر الثالث العمل في امتداد توحيد اللّه وهو الحب في اللّه، والغضب للّه، والبغض في الله، والاستعانة بما سخره اللّه تعالى لنا من الادوات والاسباب، والتسليم لمن أمرنا اللّه تعالى بطاعته، والولاء لمن أمرنا اللّه بولائه، وحب من أمر اللّه بحبه، وهذا هو الشطر الثالث للتوحيد، وله عرض، عريض ولسنا نستطيع أن نفهم منهج الاسلام في التوحيد إلاّ من خلال هذه الابعاد الثلاثة.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
١ - طه / ٢٤.
٢ - الحجر / ٩٧.
٣ - القلم / ٤٨.
٤ - المعارج ١٩ - ٢٠.
٥ - الزمر / ٢٢.
٦ - الانعام / ١٢٥.
٧ - محمد / ٧.
٨ - الانعام / ١٢٥.
٩ - هود / ١١٤ - ١١٥.
١٠ - البقرة / ١٥٢.
١١ - الانعام / ٤٤ - ٤٥.
١٢ - الرعد / ٣٢.
١٣ - المؤمنون / ٧٦.
١٤ - البقرة / ١٠٥.
١٥ - الليل / ٥ - ٧.
١٦ - الطلاق / ٢.
١٧ - الطلاق / ٤.
١٨ - الطلاق / ٧.
١٩ - الرعد
٢٠ - نهج البلاغة.
٢١ - الليل / ٥ - ٧.
٢٢ - والاسترخاء غير الراحة، فإن الاجساد والارواح لابد لهما من راحة، حتى يواصل الانسان عمله بالنشاط، ولا نريد نحن بالاسترخاء هذا المعنى الذي لابد منه للانسان في حياته العملية.
٢٣ - المدثر / ٢ و٧.
٢٤ - الطور / ٤٨ - ٤٩.
٢٥ - البقرة / ١٥٣.
٢٦ - الانسان / ٢٣ - ٢٦.
٢٧ - الاعراف / ٢٠٥.
٢٨ - المزمل / ٨.
٢٩ - الكهف / ٢٧ - ٢٩.
٣٠ - الزخرف / ٣٦.
٣١ - الاعراف / ١٢.
٣٢ - لقمان / ٢٢.
٣٣ - البينة / ٥. ]]>
المنتـدى الإسلامـــي اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106815
الحاجات البشرية لدولة العدل الإلهية http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106728&goto=newpost Fri, 17 Nov 2017 13:00:37 GMT محمد علي محفوظ صحيفة صدى المهدي عليه السلام العدد29 أيها الأحبة عندما يخرج الإمام عليه السلام ودققوا في كلمة (يخرج) حيث أنه لم تأت أية رواية لا... محمد علي محفوظ
صحيفة صدى المهدي عليه السلام العدد29

أيها الأحبة عندما يخرج الإمام عليه السلام ودققوا في كلمة (يخرج) حيث أنه لم تأت أية رواية لا عند العامة ولا عند أتباع أهل البيت تذكر أنه يولد.. نعم يخرج الإمام ليملأها قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا. إن مفهوم الخروج عندنا هو للأسف مفهوم محدود يحتاج إلى تعميق وتوسيع البحث وتثقيف المجتمع ثقافة واقعية حقيقية علمية بالعقيدة بالمهدي المنتظر عليه السلام وشخصه ودوره وحركته في غيبته وبعد ظهوره عليه السلام من حيث أن مفهومنا لكيفية بسط السلطة للأمام عليه السلام وكيفية نشر القسط والعدل في الأرض يكاد يكون ضيقاً. نعم يخرج الإمام عليه السلام ليبسط القسط والعدل. يخرج بسيفه الذي هو رمز للسلاح الذي لا نعلم نحن ماهيته وكيفيته ليقتل الظلمة والمفسدين في الأرض والمنحرفين والمبدلين والمغيرين وشياطين الأرض من أعداء الله والإنسانية. نعم الإمام إنما يخرج ليبسط في أرض الله وبين خلقه النظام والدستور الإلهي من قوانين اجتماعية واقتصادية وسياسية وحقوقية وذلك من خلال التعاليم والقوانين والوصايا والأحكام والحقوق التي دعا إليها الأنبياء والأوصياء ومن خلال سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته العالمية التي هي رحمة للعالمين وعلى نهج وخط وعلم الأئمة الأطهار. هو عليه السلام استمرارية لهذا النظام الذي وضع أسسه الرسول والأئمة عليهم السلام من خلال التعاليم السماوية فالمعصوم لا ينطق عن الهوى إنما هو وحي يوحى والإمام يجسد بخروجه هذا النهج الأصيل وعلى سبيل المثال لا الحصر ينهج ويعمل لبناء النظام الإسلامي بعهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر وما يحتويه هذا العهد من كل ما يحتاج إليه الحاكم العادل ليعمل بحكم الله في رعيته ويبني عليه دولته الكاملة بجميع شؤونها السياسية والاجتماعية والإنسانية والأخلاقية وبسط العدل الإلهي بين الناس, نعم مبناه في ذلك كتاب الله والسيرة النبوية وحركة وسيرة آبائه عليهم السلام . وكذلك على سبيل المثال يعمل برسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام .
ان الأنظمة والدول العاملة على خط الإمام ونهجه ومن خلال المرجعية المباركة بحاجة إلى جميع مقومات الدولة القوية بكل أركانها المتماسكة المبنية على أسس متينة وقويه وثابتة وصلبه لتقف بوجه الاستكبار العالمي والمفسدين في الأرض فالإعداد يجب أن يكون في كل الأمور التي تحتاج اليها الدولة القوية القادرة الباسطة سلطتها وعلى جميع المستويات والخطوط العلمية والإنسانية. السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية .
إن الإمام عليه السلام عند ظهوره يخرج من خلال نظام وخطة الهية موضوعة ومنسقة ومناسبة للقائد العالم والقادر والقوي والعادل المبسوط اليد والسلطان على كل هذا الوجود بجميع مكوناته فله الولاية المطلقة من الله عز وجل والذي يعمل بين العباد بأمر الله وبحكمه وشريعته. ضمن خطة سياسية واجتماعية وعسكرية تناسب الواقع المعاصر لزمن ظهوره المبارك ولذلك فإن دولة الإمام المهدي المنتظر عليه السلام يجب أن تكون دوله متكاملة عظيمه في كل مكوناتها ومقوماتها السياسيه والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبشرية فكما أنه هناك مفسدون وشياطين وسلطة سياسية تدير الفساد والفتن في الأرض كذلك هنالك مصلحون وممهدون صابرون ينتظرون ظهور إمامهم وقائدهم ومخلصهم ليفتدوه بأرواحهم وكل ما لديهم وهم في زمن الظهور كثيرون يملئون الأرض منتظرين النداء من السماء ليجيبوا داعية الله بنصرة ولي أمرهم وإمامهم وبالإعداد السليم والقوي. { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } فالقوة في كل شئ. في الإعداد الصحيح للانسان للوقوف في وجه شياطين الأرض ومفسديها ومحركي الفتن فيها السياسي والاجتماعي والتثقيف بالثقافة الاسلامية الصحيحة ومن خلال نظامه وإيمانه وصبره واحتسابه إلى الله ومبايعته لإمام العصر وإخلاصه في السير على نهجه ونهج أبائه وأجداده الأطهار. تحققه شعوب ودول وجيوش وسلاح وقدرات وخطط. نعم هكذا يجب أن يكون الإعداد.
================== ]]>
المنتـدى الإسلامـــي اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106728