Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270

Warning: preg_replace(): The /e modifier is deprecated, use preg_replace_callback instead in ..../includes/class_bbcode_alt.php on line 1270
منتدى الخالدون - منتدى أهل البيت (عليهم السلام) http://www.alkhaledoon.com/ ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ) ar Sat, 25 Nov 2017 10:57:03 GMT vBulletin 60 http://www.alkhaledoon.com/styles/taj/misc/rss.png منتدى الخالدون - منتدى أهل البيت (عليهم السلام) http://www.alkhaledoon.com/ إدارة الدولة في عهد النبي (صلي الله عليه وآله) http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106776&goto=newpost Wed, 22 Nov 2017 08:38:36 GMT المصدر: مجلة الوحدة الإسلامية
قال الله في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾(1). عندما نتكلم عن خاتم الأنبياء (ص)، فإننا نتكلم عن الإنسانية الكاملة بكل ما ترمز إليه من معاني الإيمان والحق والخير والفضيلة التي تجسدت في شخصية النبي الأعظم (ص)، الذي صاغته القدرة الأزلية والعناية الربانية فاستحق الخطاب من الله بقوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(2) وامتاز بذلك عن كل الأنبياء والمرسلين (ع) الذين جسدوا خط الله في الأرض ودعوا الناس إليه.
ومما لا شك فيه أن أية مهمة يريد الإنسان القيام بها، فإنها تفترض وجود القدرة الكافية ليقوم بها، وكلما كانت المهمة أكبر وأعظم أثراً، لا بد أن تكون القوة والإرادة أقوى وأقدر لإنجازها والوصول بها إلى الغاية والهدف المراد. وبما أن رسول الله محمد (ص) قد كلفه الله تعالى بإجراء أكبر عملية تغييرية في المسيرة الإنسانية عبر التاريخ وهي (تحويل المسيرة عن خط الفساد والانحراف والضلال إلى خط الهداية والإيمان والإصلاح) فكان لا بد أن تكون القابليات والمؤهلات عند النبي (ص) متناسبة مع حجم تلك المهمة الجليلة التي كانت بحجم الإنسانية لعصره وللعصور القادمة كما قالت الآية الكريمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(3).
ومن هنا نرى أن العناية الإلهية قد تكفّلت بتهذيب نفس النبي (ص) وتربيتها لتكون مؤهلة للقيام بأعباء تلك المهمة العظيمة، والقرآن مليء بالآيات الشاهدة على العناية الإلهية بالنبي (ص) لصقل شخصيته وإيصالها إلى ذروة درجات الكمال الإنساني التي جعلت من النبي (ص) رجل دولة بكل ما للكلمة من معنى، وقد ورد عن النبي (ص) قوله: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"(4)، أو كما قال الإمام الصادق: (إن الله عز وجل أدَّب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب قال (وإنك لعلى خلق عظيم)، ثم فوَّض إليه أمر الناس والأمة ليسوس عباده)(5).
وبعد اكتمال الاستعداد الإيماني والروحي وكل الجوانب والعوامل المؤثرة في إيصال الدعوة الإلهية جاء الخطاب الإلهي للنبي (ص) بالتكليف بحمل الرسالة الإسلامية وأدائها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۞ قُمْ فَأَنذِرْ ۞ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾(6)، ومن هذا الخطاب الإلهي بدأت الخطوة الأولى في رحلة تغيير المسيرة الإنسانية المعذَّبة والمضَّطهدة التي كانت تعاني الضياع والتشتت والفراغ الروحي والإيماني ومجردة من كل هدف نبيل وعظيم تعمل من أجل الوصول إليه والتمسك به، وكانت بحاجة إلى المرشد والدليل والشاهد والمبشر والنذير والسراج المنير الذي يضيء لها السبيل وينير لها طريق الحق الواضح والجلي والمتميزعن باقي الطرق التي كانت الإنسانية ملتزمة بها سواء عن اقتناع كما هو الحال عند فئة الحاكمين، أو عن ضعف وقلة إرادة وعدم وضوح السبيل الصحيح عند الفئات المقهورة والمعذبة.
وهنا بدأت حركة النبي (ص) من خلال حملة التبشير القائمة على الدعوة إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وترك عبادة الأصنام ونبذها من عقول الناس وقلوبهم، وتعليم الناس والأمة طرق الاتصال والارتباط بالله سبحانه وتعالى لأنه المعبود الحقيقي الذي لا يقاس بغيره ممن هو من مخلوقاته ولو ابتدعها الناس وجعلوا منها آلهة تُعبد وتُقدم لها الهدايا والقرابين، ولذا ورد في القرآن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾(7).
ولا شك بأنه يجب أن يكون النبي (ص) في أداء هذه المهمة "رجل دولة" بكل ما تعنيه هذه الكلمة وتحتويه من مضامين وأبعاد، فهو المصطلح المتعارف إطلاقه على الإنسان الذي يمتلك المؤهلات والقدرات على إدارة المجتمع في الحالات المختلفة ونقله من حالة متدنية على كل المستويات إلى حالة عالية ومميزة في كل المجالات المناسبة مع الأهداف المطلوب الوصول إليها بواسطة قيادة "رجل الدولة" الحكيم والمتوازن والعالِم إلى أين يريد أن يصل بشعبه وأمته وكل من هو تحت لوائه وقيادته.
والدولة هي الكيان السياسي والإطار التنظيمي لوحدة المجتمع وحياته الاجتماعية والاقتصادية، وهي التي تمتلك حق إصدار القوانين والسهر على تنفيذها وتطبيقها بما يحقق الأهداف المطلوبة عبر ضبط حركة المجتمع ككل والسهر على رعايته وحمايته من كل من يحاول إبعاده عن أهداف الدولة الملتزمة بخطها ونهجها.
ولا بد للدولة من "دستور" يتضمن القوانين والقواعد والأنظمة التي تحدد شكل الحكم ومساره على كل المستويات، سواء في علاقة الدولة بمواطنيها أو في علاقاتها مع المحيط والدول الأخرى. وهذه المفاهيم "رجل الدولة" و "الدولة" و"الدستور" لها معان محددة في زماننا، ولها أنماط ونماذج متعددة تبعاً للفكر الذي تنتمي إليه وتصوغ دستورها على أساسه، ويحكم تلك الدول "رجال دولة" مؤمنون بعقائدهم ويسهرون على تنفيذها على أكمل وجه يقدرون عليه.
إلا أن هذه المفاهيم الثلاثة لها في الإسلام دلالات ومعانٍ مختلفة من حيث المضمون والفكر والسلوك، وإن تشابهت الأسماء لأنها صارت متعارفة من حيث أصل المعنى الذي يُشير إليه كل مفهوم فيها.
فأولاً: المطلوب من "رجل الدولة " في الإسلام السهر على تحقيق هدفين أساسيين لا يمكنه تجاوزهما أو إهمالهما وهما:
1- إبقاء حركة المجتمع على تواصل دائم مع الله عز وجل من خلال فتح كل الطرق والأساليب التي تربط الناس بخالقها من خلال "نظام العبادات" وتشجيع كل الناس على الاهتمام بهذا الجانب الرئيس والمهم في عقيدتنا الإسلامية.
2- السهر الدؤوب والتخطيط السليم للحفاظ على مصالح الأمة ودرء المفاسد عنها، وتشجيع كل حركة بناءة في المجتمع للوصول إلى الحياة الأفضل والأرقى من خلال الاستغلال الجيد والنافع للإمكانات والموارد والثروات بما يعود بالنفع والمصلحة لكل أفراد المجتمع ليعيش الجميع ومن كل المستويات وهو متمتع بالحد الأدنى من مقومات الحياة السعيدة والآمنة والمستقرة.
ونحن كمسلمين نعتقد أن "رجل الدولة" و "الدولة" و"الدستور" لهم مرجعية واحدة وهي "العقيدة الإسلامية" لا غير، والتي طبقها رسول الله (ص) في المجتمع الإسلامي الأول في "المدينة المنورة" وهو الحجة علينا على مدى العصور، وإلى آخر يوم من أيام الإنسانية في هذه الدنيا الفانية.
وقد ظهرت إدارة النبي (ص) كرجل دولة على أرفع طراز من خلال قيادته الحكيمة والرشيدة والتي يمكن تلخيصها يمكن تلخيصها بالعناوين العامة التالية:
الأول: وحَّد المسلمين وجَمَعَهم ولمَّ شملهم في المدينة المنورة بعد الهجرة من مكة، وقرَّب بالتآخي بين المهاجرين والأنصار الوحدة بينهم ونشر الألفة والمودة والتعاون الايجابي لما فيه خير الجميع، وليقول النبي (ص) بأن الإسلام هو الذي يوحد ويجمع ويؤالف بين الناس، ولذا نجد الله سبحانه قد امتدح نبيه (ص) على جمعه للقبائل المتناحرة والمتنافرة تحت لواء "التوحيد" وقد قال سبحانه في ذلك: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾(8).
الثاني: تحصين مجتمع المدينة لأنه كان النواة الأولى والبذرة الأساسية للدولة الإسلامية، لأن ذلك المجتمع بعناصره المتنوعة وقبائله المتعددة كان بحاجة إلى أجواء من الأمن والسلام والهدوء لتنظيم شؤون تلك الدولة الفتية وتقوية صمودها لتكون قادرة على مواجهة التحديات والعقبات والصعوبات التي كانت موجودة حولها وتترصدها لإسقاطها والانتهاء منها، وعلى رأس هؤلاء "قريش" التي رأت في دولة الإسلام تهديداً لحاكميتها وسلطتها على الأمور في الجزيرة العربية آنذاك، ثم اليهود الذين كانوا في المدينة وعلى مقربة منها وكانوا يتآمرون عليها كذلك.
الثالث: إدارة قضايا الحرب والسلم والعلاقات مع الدول الأخرى في ذلك العصر، ولذا جهز النبي (ص) مجتمع المدينة ليكون قادراً للدفاع عن عقيدته وعن دولته، خصوصاً أن المتربصين بدولة الإسلام كانوا قد شرعوا باعتداءاتهم وإبراز كراهيتهم وضيق صدورهم من تلك الدولة، ولذا وضع النبي(ص) أولوياته في هذا المجال، فكانت "قريش" بما تمثل الخطر الأول الذي إن سقط على يد المسلمين بقيادة النبي (ص) تتغير الكثير من الموازين للقوى في كل المنطقة، لأنها كانت "رأس الحربة" في التجييش لقتال المسلمين والنبي (ص)، ومع تكرار الاعتداءات أذن الله لنبيه (ص) بالجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۞ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾(9).
بالفعل عملت قريش على خطين: أولهما، إخافة المسلمين لإشعارهم بأن قريشاً لا تزال القوة الرئيسة وهي صاحبة القرار. وثانيهما، منع امتداد الإسلام خارج المدينة المنورة لإبقاء المسلمين محاصرين فيها بلا سند أو دعم من خارجها، إلى أن بدأت المعارك الكبرى مثل "بدر" و "أُحُد" وغيرهما، وصولاً إلى "صلح الحديبية" الذي كان بداية العد العكسي لسيطرة قريش وكان إيذاناً لسقوطها في المستقبل القريب، ويُروىَ أن رجلاً قال عن ذلك الصلح: "ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت"، فقال له النبي (ص) "بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوا بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية ويرغبوا إليكم في الإيمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهذا فتح عظيم"(10). وفتح ذلك الصلح الباب مشرعاً لانتشار الإسلام انتشاراً سريعاً في وقت قصير، وقد أنزل الله في القرآن بعد ذلك الصلح (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) حيث ذكر أكثر المفسرين أنها نزلت بعد الحديبية نظراً للنتائج المهمة التي ترتبت على ذلك الصلح.

الرابع: التسامح واللين مع الأمة، وهذه الصفة كانت بارزة في شخصية النبي (ص) ولعبت دوراً مهماً في دخول الكثيرين في الإسلام، أو ثبتت إيمان المسلمين بدينهم، وقد امتدح الله هذا الخلق من النبي (ص) بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾(11)، وهذا التسامح كان نابعاً من طبع النبي (ص) ومن حكمته في التعامل مع الأمور واستيعابها وتحويلها إلى ايجابيات لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولذا ورد عنه قوله (ص): "أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة"(12)، وكان أسلوب اللين والتسامح من أسباب تقوية الروابط بين المسلمين ورص صفوفهم وتنافسهم في أعمال الخير، وقد تجلى التسامح النبوي بعد فتح مكة المكرمة حيث قال (ص): "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن"(13)، مع أن الكثير من هؤلاء حارب الإسلام بقوة ودون هوادة، وكانت قمة التسامح عندما قال كلمته المشهورة: "إذهبوا فأنتم الطلقاء"(14).
فاللين والتسامح من أهم صفات رجل الدولة الذي يعرف أهدافه التي يريد الوصول إليها ويعرف الأساليب التي توصله لبلوغ ما يصبو إليه، ولذا لم يستغل النبي (ص) قوة المسلمين للانتقام والتشفي، بل عمل بمقولة "العفو عند المقدرة"(15)، واستعمل القوة للبناء والأمن وحماية المسلمين من الأعداء.
الخامس: الالتزام الدقيق بتطبيق أحكام الإسلام على الجميع من دون أية استثناءات أو إعفاءات أو مجاملات، وفي هذا المجال برزت الإدارة الرشيدة والحازمة للنبي (ص) ضد المخالفين لأحكام الإسلام من دون مراعاة للمكانة أو المنزلة الاجتماعية أو أي ميزان آخر كان معمولاً به في الجاهلية، لأن الإسلام لا يعترف إلا بموازين الله القائمة على أن: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾(16)، وليس أكثركم مالاً أو جاهاً أو شهرة، من دون مضمون إيماني وأخلاقي، حتى ورد عنه قوله (ص): "والله لو فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (17)، فتطبيق الأحكام لا يحتاج إلى التراخي أو التهاون مع المخالفين والمنحرفين، لأن ذلك يخالف الأهداف الإسلامية، وقد يؤدي التهاون إلى شيوع الفتنة والفساد بين الناس، والحفاظ على المجتمع في العيش بعيداً عن الانحراف والرذيلة هو حق لا يمكن التسامح فيه، لأن الهدوء والأمن والسلام في المجتمع هو الذي يدفع للوصول إلى الحركة المنتجة والعمل المبدع المفيد والنافع في الدنيا والآخرة.
من هذه العناوين الإجمالية للإدارة النبوية نرى ضخامة الانجازات التي تحققت حينها وما أحدثته من تغيرات جذرية في حركة مجتمع المدينة الإسلامي، ثم على مستوى الجزيرة ككل، ثم على مستوى العالم كله، وهذا ما يثبت أن النبي (ص) كان رجل دولة من طراز رفيع، بل هو الأرفع والأرقى عبر التاريخ والعصور، وهذا الكلام ليس من باب التعصب، بل من باب الحقيقة والواقع، وليس أدل على ذلك أن صاحب كتاب "أعظم مئة رجل في التاريخ" وهو غير مسلم اختار النبي محمداً (ص) الأول في تسلسل تلك المئة بسبب إنجازاته العظيمة للإنسانية إلى زماننا هذا وإلى آخر يوم من عمر البشر في هذه الدنيا.
ولهذا، فإن الاقتدار النبوي على تحويل حركة الواقع السلبي في زمانه إلى حركة وعي في ضمير ووجدان الفرد والأمة وإبراز القابليات الإنسانية بعد تحررها من قيود العبودية والاستغلال البشع إلى أن تصبح حركة منتجة وبنّاءة للوصول إلى المجتمع المطابق للنموذج الإسلامي الذي صاغه الله وأوحى به إلى نبينا محمد (ص) وتحقق في مجتمع المدينة المنورة في زمانه وحياته(ص)، هذا كله يدل على الخبرة الدقيقة والمعرفة الراقية في إدارة شؤون المجتمع وقيادته نحو الأهداف الأصيلة للحياة البشرية على النحو الذي أراده الله أن يتحقق في الحياة الدنيا.

ــــــــــــــــ

المصادر:

1-{الأحزاب 45/46}

2- {القلم/4}

3- {الأنبياء/107}

4- بحار الأنوار- ج68- ص: 382.

5- الكافي- ج1/266/ ح4.

6- {المدثر/1-2-3}

7- {الجمعة/2}

8- {آل عمران/103}

9- {الحج /39 - 40}

10- الدر المنثور- ج6- ص: 68.

11-{الفتح/29}

12- تحف العقول_ ص: 48.

13- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف- ص: 390.

14- الكافي- ج3- ص: 512/ ح2

15- مثل سائر في أمثال المقام.

16- {الحجرات/14}

17- صحيح مسلم- ج5- ص: 114

بقلم: الشيخ محمد توفيق المقداد: مدير مكتب الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي "دام ظله" في لبنان. ]]>
منتدى أهل البيت (عليهم السلام) اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106776
ولاية العهد وآثارها على حياة الإمام الرضا عليه السلام http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106729&goto=newpost Fri, 17 Nov 2017 13:08:20 GMT عبّاس الذهبي تعتبر ولاية العهد من أكبر وأخطر المحطات السياسية في حياة الإمام الرضا عليه السلام ، فقد كانت تحولاً مفاجئاً في السلوك السياسي... عبّاس الذهبي

تعتبر ولاية العهد من أكبر وأخطر المحطات السياسية في حياة الإمام الرضا عليه السلام ، فقد كانت تحولاً مفاجئاً في السلوك السياسي العبّاسي تجاه العلويين ، فاجأ رجال الفكر والسياسة في زمانه وأثار موجةً من ردود الفعل المختلفة ، أخذت تتسع دائرتها إلى وقتنا الحاضر ، فكلّ من يتناول حياة الإمام الرضا عليه السلام يتطرق بالبحث والتحليل لهذه القضيّة الحسّاسة في الفكر السياسي الاسلامي لكونها تشكل سابقة فريدة في السلوك السياسي العباسي عندما يتنازل الحاكم للمعارضة ويعرض عليها تقاسم أعباء الحكم ، حملها البعض على نحو من الجدية وأثنى على المأمون غاية الثناء ، ووصفه بالتجرّد والنزاهة.
على الرغم من كونها مسرحية سياسيّة أجاد المأمون نسج فصولها وتوزيع أدوارها وحسن توقيتها. كما يستفاد من تصريحات ولي العهد نفسه عليه السلام بعيداً عن تحليلات أولئك المتأخرين ، وبدورنا سوف نستعرض خلفيات ولاية العهد ، والعوامل الدافعة للمأمون على تغيير السياسة القمعية العباسيّة تجاه العلويين عموماً وشيعة أهل البيت عليهم السلام على وجه الخصوص ، ونتعرف على موقف الإمام الرضا عليه السلام من ولاية العهد ، ومن ثم نستعرض آثارها في شهادته.
المبحث الأول : خلفيات ولاية العهد
اتبع العباسيون ـ منذ البداية ـ سياسة مخادعة مع العلويين ، فقد رفعوا في أثناء صراعهم مع الأمويين شعاراً تضليلياً هو « الرضا من آل محمّد » دون أن يحدّدوا مضمونه ، وتمسكوا بالسرية التامّة ، فلم يفصحوا عن اسم الإمام حتى لايحس العلويون ولا قاعدتهم العريضة في خراسان بخروج الأمر منهم.
وبعد وصولهم للسلطة تنكر العباسيّون للدعم الكبير والمساندة الواسعة التي أبداها العلويون وقاعدتهم ، وفوق ذلك أذاقوهم ألوان العذاب ، وعملوا على الحطّ من شأنهم ، وإبعادهم عن الحياة السياسيّة ، ووضعوا الرقابة المشدّدة عليهم ، ومنعوا الناس من الاتصال بهم فضلاً عمّن أطلوا دمه أو هلك في طواميرهم المظلمة.
وضرب المنصور العباسي المثل الأقسى في معاملة العلويين ، فقد أذاقهم جميع صنوف العنف والجور والعذاب ، وزج جمع منهم في سجن مظلم لا يُعرف فيه الليل من النهار حتّى باتوا لايعرفون وقت الصلاة ، فجزأوا القرآن الكريم خمسة أجزاء ، فكانوا يصلّون الصلاة على فراغ كلّ واحد منهم لجزئه (۱).
وأمر المنصور عمّاله بمصادرة جميع أموالهم وبيع رقيقهم ، وقد صادر بالفعل أموال بني الحسن وكثير من العلويين وبني هاشم (۲).
وأمر المنصور أيضاً باحضار محمّد بن إبراهيم بن الحسن المثنّىٰ ، وكان آية في بهاء وجهه وجماله ، فالتفت نحوه وقال ساخراً : أنت المسمّى بالديباج الأصفر ؟ فقال : نعم. قال الطاغية : أما والله لأقتلنّك قتلة ما قتلها أحداً من أهل بيتك. ثمّ أمر باسطوانة مبنية ففرغت وأدخل فيها ، فبنيت عليه وهو حي ! (۳).
لقد أطلق هذا الطاغية يده في استخدام القوة ضدّ العلويين ، واتبع معهم سياسة « السيف والنطع » وخاض ضدّهم حرباً ليس لها هوادة ولا يخف لها أوار ، فقد كمّم أفواههم وزجهم في السجون ، وكان يتميّز من الغيظ ضدّ كلّ علوي ، فمرت الأحداث تنفث سمومها ، وتبعث بلهبها لتكوي آل علي بكلّ ما يشيب الطفل. وكان أبو جعفر المنصور يخشى على منصبه ممّا وصل إليه الإمام الصادق عليه السلام من علوّ المنزلة وسموّ المكانة بين المسلمين ، حتّى أن المنصور كان يصفه بأنه « الشجىٰ المعترض حلقه » (٤).
وقد استدعى هذا الطاغية إمامنا الصادق عليه السلام إلى العراق ، ليوقفه بين يديه ، يريد بذلك استنقاصه أمام أعين الناس والتصغير من شأنه. ولكن ما زاده ذلك إلّا علواً إذ كان اقبال الناس على الإمام الصادق عليه السلام وشدّهم الرحال إليه قد أثار مخاوف العباسيين وباتوا يلوحون بالعصا العباسيّة لشيعته.
واتبع الهادي العبّاسي مع العلويين سياسة تقوم على العنف بخلافالمهدي الذي حاول استرضاء العلويين فألحّ الهادي في طلبهم « وأخافهم خوفاً شديداً وقطع ما كان المهدي يجريه عليهم من الأرزاق والأعطية ، وكتب إلى الآفاق في طلبهم وحملهم » (٥).
ومضى الهادي إلىٰ آخر الشوط فازداد تعطشاً لدماء العلويين ، فجهد على استأصال شأفة شبابهم كما حدث في كارثة « فخ » التي اقترف فيها العباسيون جرائم ضاهت ما اقترفه الأمويون في كربلاء ، فقد رفعوا رؤوس العلويين على الرماح وأطافوا بأسراهم في الأقطار وتركوا جثث قتلاهم ملقاة على الأرض مبالغة منهم في التشفّي والانتقام من العلويين.
الذين وقعوا تحت وطأة ظلم صارخ ووحشية مروعة ، حتى قال الشاعر :

يا ليت جور بني مروان عاد لنا وليت عدل بني العباس في النار
يروي الطبري : أن الأسرى العلويين كانوا مقيّدين في السلاسل وفي أيديهم وأرجلهم الحديد ، وأمر الطاغية الهادي بقتل الأسرى فقتلوا وصلّبوا (٦). ويضيف المسعودي قائلاً : إنّ الجثث ظلت ثلاثة أيّام دون أن توارى في الثرى حتّى أكلتها الحيوانات الضارية والطيور الجارحة (۷).
وقد رفع الطاغية هارون من وتائر الضغط على العلويين ، وكان يقذفهم بالشرّ والشرر ، ولم يترك حجراً على حجر من أجل الظفر برجالهم ، فاتبع ـ إضافة لما تقدّم ـ آليات الإقصاء والاستبعاد والقمع ، وكان نصيب الإمام موسى الكاظم عليه السلام من ظلمه كبيراً كما أسلفنا ، وعموماً فقد كان العلويون يعانون الأمرّين من هارون حتّى « ركنوا إلىٰ الهدوء في أواخر عهده وطول عهد ولده الأمين ، ولكن بدأت بوادر قيام حركة جديدة من حركات الشيعة في مطلع عهد المأمون » (۸).
وبالفعل فقد تزعّم محمّد بن إبراهيم بن طباطبا وداعيته أبو السرايا في أواخر سنة ۱۹۹ هـ حركة ثوريّة ضدّ حكم المأمون (۹) ، وفي السنة التالية تزعّم إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهما السلام وحركة أخرى فى اليمن ضدّ السلطة العباسيّة (۱۰) ، كما تمرّد الحسين بن الحسين الأفطس بمكّة أيضاً (۱۱). واتّصلت حركته بالدعوة إلى زعامة محمّد بن الإمام جعفر الصادق ، ولقّبه أنصاره بأمير المؤمنين (۱۲).
سياسة المأمون مع العلويين :
إن تحوّل السياسة العباسيّة تجاه العلويين في زمن المأمون لم يتمّ صدفة ولم ينطلق من فراغ ، كما لم يكن أمراً سهلاً لدقّة الظروف وخطورة الاحتمالات ، ولكن لهذا التحول عوامل عديدة نستطيع أن نصنفها إلى قسمين أساسيين ، هما :
أولاً ـ العوامل الذاتيّة :
ونقصد بها تلك العوامل التي تفاعلت في نفس المأمون ودفعته إلى تغيير السياسة العباسيّة الظالمة تجاه العلويين. وهنا يورد المؤرخون والمحدّثون عوامل عديدة محتملة كان لها دور كبير في التغيير المذكور ، وهي :
۱ ـ دعوىٰ ميول المأمون للتشيع :
يرى البعض أن منشأ هذا التحوّل في مسار السياسة العباسيّة تجاه العلويين في زمن المأمون يعود إلى ميل ديني عاطفي للمأمون تجاه العلويين ، وانّه كان ينظر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام نظرة تقدير ، ويرى أنّه أحق بالخلافة من باقي الصحابة. ونتيجة لذلك كان يتجنّب إراقة دماء العلويين ، ولايريد أن يذهب مذهب أسلافه العباسيين في اضطهاد الشيعة ، كما أنه كان يودّ التقريب بين فرعي البيت الهاشمي من علويين وعباسيين ، ويضع حدّاً للعداء الطارئ بين الطرفين.
يرى السيوطي أن الذي حمل المأمون على ذلك هو إفراطه في التشيّع ، حتّى أنّه هَمّ أن يخلع نفسه عن الخلافة ويسلمها للرضا عليه السلام ، ويروي السيوطي : أن المأمون أجاب عن سؤال وجهه أحدهم إليه عن سبب عطفه على العلويين ، فقال : « انما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولى لم يولّ أحداً من بني هاشم شيئاً ، ثمّ عمر ، ثم عثمان كذلك ، ثمّ ولّى علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس البصرة ، وعبيد الله اليمن ، وسعيداً مكة ، وقثم البحرين ، وماترك أحداً منهم حتّى ولّاه شيئاً ، فكانت هذه في أعناقنا حتّى كافأته في ولده بما فعلت » (۱۳).
وذات الرأي ينقله صاحب الفخري : من أن زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العبّاس قد سألت المأمون عن سبب تحويله الخلافة من العباسيين إلىٰ بيت علي فأجاب : « ما رأيت أحداً من أهل بيتي حين أفضى الأمر إليهم كافوه على فعله في ولده ـ أيّ في ولد العبّاس ـ ، فأحببت أن اُكافيه على إحسانه » (۱٤).
وقد أورد الشيخ الصدوق روايات تعزز هذا الاعتقاد وتدلّ على ميل المأمون للتشيع : عن سفيان بن نزار قال : كنت يوماً على رأس المأمون ، فقال : أتدرون من علّمني التشيّع ؟ فقال القوم جميعاً : لا والله ما نعلم.
قال : علّمنيه الرشيد ! قيل له : وكيف ذلك ، والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت !
قال : كان يقتلهم على الملك ، لأن الملك عقيم (۱٥). ثمّ روى لهم كيف أن هارون قد قام للكاظم عليه السلام إجلالاً وإعظاماً لما دخل عليه وقبّل وجهه وعينيه وأخذ بيده حتّى أجلسه صدر المجلس ، وأن المأمون سأل والده هارون عن ذلك فقال : هذا إمام الناس وحجّة الله على خلقه وخليفته على عباده.. وأنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر ، وموسى بن جعفر إمام حق ، والله يابنيّ انّه لأحقّ بمقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منّي ومن الخلق جميعاً ، والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإن الملك عقيم (۱٦).
وعن الريان بن شبيب ، قال : سمعت المأمون يقول : ما زلت أحبّ أهل البيت عليهم السلام واظهر للرشيد بغضهم تقرّباً إليه. فلما رأيت أبي هارون يُكرم الكاظم عليه السلام قلت له : لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئاً مارأيتك فعلته بأحد من أبناء المهاجرين والأنصار ولابني هاشم ، فمن هذا الرجل ؟! فقال : يابني هذا وارث علم النبيين ، هذا موسى بن جعفر بن محمّد عليهم السلام إن أردت العلم الصحيح فعند هذا. قال المأمون : فحينئذ انغرس في قلبي محبّتهم (۱۷).
۲ ـ نذر المأمون :
وهناك من يُرجع هذا التحوّل إلى النذر الذي قطعه المأمون على نفسه بأنه إذا ظفر بأخيه المخلوع فانّه يُخرج الخلافة إلىٰ أفضل آل أبي طالب.
وهذا العهد يستدعي ـ بطبيعة الحال ـ الإحسان إلىٰ العلويين. وفي هذا الصدد يروي الاصفهاني : أن المأمون كان خلال صراعه مع أخيه الأمين قد عاهد الله أن ينقل الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب ، وان علي الرضا هو أفضل العلويين (۱۸). ويعزز ذلك ما رواه الصدوق بأن المأمون قال : « فلمّا وفى الله تعالى بما عاهدته عليه أحببت أن أفي لله بما عاهدته ، فلم أرَ أحداً أحقّ بهذا الأمر من أبي الحسن الرضا » عليه السلام. والشيخ الصدوق يفسر إقدام المأمون على دعوة الرضا عليه السلام لقبول ولاية العهد بناءً على هذا النذر (۱۹).
۳ ـ دعوى حب المأمون للعفو وكراهيّته للانتقام :
والبعض الآخر يُرجع هذا التحوّل إلىٰ عامل نفسي ، فيدّعي أن المأمون قد اشتهر بالعفو ومقت الانتقام وكان يكره إراقة الدماء ، ومن دلائل ذلك معاملته السمحة للعلويين الذين ثاروا ضدّه ، فقد عفا عن محمّد بن محمّد بن زيد وأسكنه داراً ، كما عفا عن محمّد بن جعفر الصادق واشترك في تشييع جنازته وقام بسداد ديونه (۲۰). كما عفا المأمون أيضاً عن عبد الرحمن بن أحمد العلوي الذي أعلن الثورة في بلاد اليمن (۲۱). وقد فات هؤلاء بأن المأمون قد قتل أخاه وصلب جثّته ، فكيف والحال هذه أن نقتنع بحبه للعفو وكرهه لإراقة الدماء ؟!.
وهناك رأي مفاده أن المأمون عرف الحقّ لأهله وتنكر لسيرة الماضين من آبائه الذين أمعنوا في ظلم أهل البيت عليهم السلام قتلاً وسماً وتشريداً ، وذلك بناءً على رواية أوردها الصدوق عن أحمد بن محمّد بن اسحاق ، قال : حدثني أبي قال : لما بويع الرضا عليه السلام بالعهد اجتمع الناس إليه يهنئونه ، فأومى إليهم فأنصتوا ، ثمّ قال : « .. بسم الله الرحمن الرحيم ، إن أمير المؤمنين عضده الله بالسداد ووفّقه للرشاد عرف من حقّنا ما جهله غيره ، فوصل أرحاماً قطعت ، وأمّن نفوساً فزعت ، بل أحياها وقد تلفت ، وأغناها إذ افتقرت ، مبتغياً رضا ربّ العالمين.. » (۲۲).
ثانياً : العوامل الموضوعيّة :
ان قراءة معمّقة لما بين سطور أحداث تلك الفترة تكشف لنا عن تفاعل عوامل موضوعيّة عديدة دفعت المأمون إلى التقرّب من العلويين وتنفيس الاحتقان بين البيتين العلوي والعباسي. ومن هذه العوامل :
۱ ـ تعاطف أهل خراسان : ومن الطبيعي والحال هذه أن يأخذ المأمون هذا التعاطف بعين الاعتبار ، لذلك « كانت البيعة لعلي الرضا بولاية العهد ترضي مشاعر أهل خراسان إرضاءً تامّاً ، ولاشكّ أن ذلك الدافع كان في مقدّمة الدوافع التي حدت بالمأمون إلى البيعة لهذا الزعيم العلوي بولاية عهده » (۲۳).
فهناك من يرى بأن المأمون حاول أن يتقرّب إلى العلويين مدفوعاً في ذلك بتأثير الفضل بن سهل الذي أشار على المأمون أن يتقرّب إلى الله عزّوجلّ إلى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصلة رحمه بالبيعة بالعهد لعلي بن موسى الرضا عليه السلام ليمحو بذلك ماكان من أمر الرشيد فيهم ، وماكان يقرّر على خلافه في شيء.. (۲٤).
وكان الرأي العام في ذلك الوقت يعتبر أمر البيعة للرضا عليه السلام من تدبير الفضل بن سهل : عن الريان بن الصلت قال : أكثر الناس في بيعة الرضا من القواد والعامة ومن لم يحبّ ذلك ، وقالوا : ان هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين (۲٥).
وهناك أخبار رواها الصدوق تعزّز هذا الاعتقاد ، وتسنده إلى مصادر تاريخيّة متقدّمة ، فقد نقله الصدوق عن أبي علي الحسين بن أحمد السلامي ، في كتابه الذي صنفه في أخبار خراسان (۲٦)..
وممّا يدعم هذا الرأي ما رواه الصدوق من أن ذا الرياستين قال للمأمون : « ان ذنبي عظيم عند أهل بيتك وعند العامة والناس يلومونني بقتل أخيك المخلوع وبيعة الرضا عليه السلام ولا آمن السعاة والحساد وأهل البغي.. » (۲۷).
وبالمقابل هناك روايات تستبعد ذلك وتتنكر لدور ذي الرياستين في أحداث التحوّل المذكور ، لكون الفضل بن سهل من صنائع البرامكة الذين ناصبوا العداء لأهل البيت عليهم السلام وألّبوا الحكام العباسيين عليهم ، روى الصدوق : أنّ ذا الرياستين قد أظهر عداوة شديدة لأبي الحسن الرضا عليه السلام وحسده على ما كان المأمون يفضّله به (۲۸). وهناك شاهد آخر يصبّ في هذا الاتّجاه ، فقد روى الصدوق أن المأمون قد أنكر صراحةً دور الفضل بن سهل المظنون ، وذلك لما بلغه أن الناس يتحدّثون بذلك ، قال للريان : « ويحك يا ريان أيجسر أحد أن يجيء إلى خليفة وابن خليفة قد استقامت له الرعية والقواد واستوت له الخلافة ، فيقول له : ادفع الخلافة من يدك إلى غيرك ؟ أيجوز هذا في العقل ؟ ..لا والله ما كان كما يقولون » (۲۹).
ويمكن الجمع بين الرأيين المتعارضين باحتمال استشارة المأمون لذي الرياستين بشأن الإمام الرضا وموافقة الأخير له بعد أن رأى ميل المأمون لذلك في الظاهر ، فلم يحب مخالفته ، وحين استبان له الواقع أعرب عمّا كان يكنه من عداء لأهل البيت عليهم السلام.
۲ ـ عداء البيت العباسي للمأمون :
وهناك من تتبع المجرى العريض لهذا التطوّر وعد من العوامل التي دفعت المأمون إلى التقرّب من البيت العلوي وشيعتهم مالمسه من عداء البيت العباسي له. يذكر الطبري من بين أحداث سنة ۲۰۱ هـ ما كان « من مراودة أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة » (۳۰). وقد أمتنع منصور المذكور عن ذلك ولكنه قبل أن يصبح أميراً على بغداد. إلى جانب عداء ابراهيم بن المهدي وغيره من العباسيين للمأمون (۳۱) ، وقد أعلن أهل بغداد عصيانهم للحسن بن سهل والي المأمون على بلاد العراق (۳۲).
وهذا الأمر غير صحيح لحصول تلك الأحداث بعد قتل الأمين وتقرّب المأمون إلى التشيّع في الظاهر.
۳ ـ فشل المعالجة القمعية بحق العلويين :
قد يكون أحد العوامل السالفة الذكر أو بعضها قد أثر في نفس المأمون ودفعه إلى انتهاج سياسة جديدة مع العلويين ، ولكن يبدو لنا أن القضيّة أعمق من ذلك بكثير ، فالمأمون وقد عُرف بالحنكة السياسية فأدرك أن نتائج المعالجة القمعية للشيعة لم تقتصر على الفشل فقط ، وإنما كانت تغذّي الاتجاهات الثورية الرافضة للحكم العبّاسي بمزيد من المبرّرات للانتشار والاستمرار ، وعليه فالمعالجة القمعية غير مجدية بل تزيد نار الخلاف تأججاً ، من هنا أوقف عمليّات المطاردة والإبادة ضدّهم وعمل على تصفية الجوّ المتوتر الذي خلّفته سياسة أبيه معهم ، كما أنه أراد القضاء على تذمر العلويين وإيقاف ثوراتهم المستمرة ، وتصاعد مسلسل التطبيع معهم حتّى بلغ ذروته بمبايعة الإمام الرضا عليه السلام زعيم العلويين بولاية العهد ، وقد أوحى المأمون بانتقال السياسة العباسيّة إلى مدار جديد يعيد فيه الحقّ إلى نصابه. وعليه فالعامل السياسي يعد من أقوى العوامل في تفسير التحول الذي أحدثه المأمون في السياسة العباسيّة مع المعارضة العلويّة.
يقول العلّامة المجلسي : أن المأمون كان أوّل أمره مبنياً على الحيلة والخديعة لإطفاء نائرة الفتن الحادثة من خروج الأشراف والسادة من العلويين في الأطراف ، فلمّا استقر أمره أظهر كيده (۳۳).
وممّا يعزّز ذلك أن عهد المأمون قد حفل بكثير من حركات العلويين ، وكانت الحركة الشيعيّة تزداد انتشاراً حتى دب التشيع في أركان الدولة ، من هنا أحس المأمون بأن الخطر قد أحدق به ، فحاول الإمساك بزمام الأمور في اللحظة الحرجة التي كان يواجهها من تعاظم قوّة العلويين ، في مقابل الانقسام الخطير في صفوف العباسيين ، فوجد من الحكمة أن يتقرب من العلويين وبلغ تقربه ذروته باستدعاء الإمام الرضا عليه السلام وإناطة ولاية العهد به.
نحن لانغض الطرف عن تأثير عدد من العوامل الذاتية والموضوعيّة التي ساهمت بنحو أو آخر في إحداث التحول المفاجئ في مسار السياسة العباسيّة تجاه المعارضة العلويّة المتعاظمة ، ولكننا نعيد التأكيد على أن المأمون قد استوعب حجم المتغيّرات الداخليّة ، وعرف أن ميزان القوىٰ أخذ يميل لصالح العلويين ، وبعد أن أدرك عقم المعالجة القمعية أخذ بالتقرّب منهم ، وفق مخطط مدروس بعناية ، وليس على نحو عرضي. والشيعة بدورهم قد أدركوا أبعاد هذا المخطط.
تقول الدكتورة نبيلة عبد المنعم داود : « إن البيعة ذاتها لم تقرب جميع العلويين من المأمون ، ولكنّها أرضت قسماً منهم فقط » (۳٤). وتعزز هذا الرأي الدكتورة سميرة الليثي ، فتقول : « لم تكن البيعة لعلي الرضا ترضي نفوس الشيعة ، ولاتقنعهم بالولاء للمأمون ، فقد اعتبرت الشيعة هذه البيعة وسيلة لتسكين خواطرها ، ودفعها إلى الركون إلى الهدوء والسلام ، بعد أن تعدّدت الحركات العلويّة في عهد المأمون » (۳٥).
المبحث الثاني : موقف الإمام الرضا من ولاية العهد
اذا أمعنا النظر في النصوص والروايات الواردة بخصوص موقف الإمام الرضا عليه السلام من ولاية العهد نجد أن الإمام قد رفض بشدّة العروض التي قدمها المأمون له لما تتضمّنه من مخاطرة الاعتراف بشرعيّة الحكم القائم ، ومساعدة المأمون على التخلص من مصاعبه في ظلّ وضع سياسي متفجر بالانتفاضات والثورات العلويّة ، وانقسام حادّ في البيت العبّاسي كما أسلفنا.
لقد أدرك الإمام عليه السلام بأنّ المأمون ليس صادقاً في وعده ، زيادة على ان هذا الوعد الكاذب غير قابل التحقّق لعدم استقرار الوضع السياسي العباسي من جهة ، ولإمكانات الاغتيال المحتملة سواء من جهة المأمون نفسه أو من جهة معارضي ولاية العهد من العباسيين الذين يخشون على سلطانهم ومصالحهم عند انتقال الخلافة إلى العلويين.
زد على ذلك أن الإمام عليه السلام يعلم ماتنطوي عليه خطوة المأمون من خطورة برغبته باضفاء مسحة من الشرعيّة على حكمه وعدم اقتناعه بفكرة ردّ الحقّ إلى أهله التي يتبجح بها أمام الرأي العام. فالإمام يدرك جيّداً أن المأمون أقدم على ماأقدم عليه تحت ضغط الضرورة ، وأنه ينظر للبيعة هذه كخشبة خلاص من الطوفان الجارف الذي ينتظره ، من هنا لم يعد يصعب علينا استنتاج رفض الإمام عليه السلام لقبول الخلافة أو ولاية العهد وهما خياران قد عرضهما المأمون عليه ، ولم نستغرب تذرع إمامنا بعلل كثيرة ومحاولته استغلال عامل الزمن بإطالة أمد المفاوضات ، ولكن المأمون سد عليه جميع المنافذ من جهاتها ، واستأصل أسباب الرفض التي أظهرها الإمام عليه السلام تخلّصاً ممّا طرح عليه ، وفي النهاية أدرك عليه السلام أنه أمام واقع مفروض لابد له من مواجهته بدلاً من الهروب منه أو تجاهله ، خصوصاً وأن هامش المناورة قد ضاق عليه إلى درجة كبيرة ، لذا قبل على مضض ولاية العهد ، ولكن وفق شروط محدّدة تحكيها الرواية التالية :
عن محمّد بن عرفة وصالح بن سعيد الكاتب الراشدي قالا : .. فلمّا وافىٰ ـ أي الرضا عليه السلام ـ مرو عرض عليه الامرة والخلافة فأبى الرضا عليه السلام ذلك ، وجرت في هذا مخاطبات كثيرة وبقوا في ذلك نحواً من شهرين كلّ ذلك يأبى أبو الحسن الرضا عليه السلام ان يقبل مايعرض عليه ، فلمّا كثر الكلام والخطاب في هذا قال المأمون : فولاية العهد ، فأجابه إلى ذلك ، وقال له : « على شروط أسألها » ، فقال المأمون : سل ما شئت ، قالوا : فكتب الرضا عليه السلام : « إنّي أدخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ولا أقضي ولا اُغيّر شيئاً ممّا هو قائم ، وتعفيني من ذلك كلّه » ، فأجابه المأمون إلى ذلك وقبلها على هذه الشروط.. (۳٦).
وسوف يتّضح لنا من الشواهد التاريخيّة أن الإمام عليه السلام لم يقبل ولاية العهد إلّا مضطرّاً وبعد التهديد والوعيد الشديدين ، ويظهر أن المأمون أراد من الإمام عليه السلام أن يكون فريسة سهلة توقع نفسها في براثنه ، ولكن الإمام عليه السلام كشف اللثام عن أهداف المأمون وما يختلج بنفسه من نوايا سيّئة وأسقط القناع عن وجهه ، حتىٰ قال عليه السلام ذات يوم للمأمون : « .. إنّي لأعلم ما تريد » فقال المأمون وما اريد ؟ قال : « الأمان على الصدق ؟ » ، قال : لك الأمان. قال : « تريد بذلك أن يقول الناس ان علي بن موسى الرضا عليهما السلام لم يزهد في الدنيا ، بل زهدت الدنيا فيه ، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة ؟ » فغضب المأمون ثمّ قال : انّك تتلقاني أبداً بما أكرهه وقد أمنت سطوتي ، فبالله اُقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلّا أجبرتك على ذلك ، فإن فعلت وإلّا ضربت عنقك.
فقال الرضا عليه السلام : « قد نهاني الله تعالى أن اُلقي بيدي إلى التهلكة ، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك ، وأنا أقبل ذلك على أن لا اُولّي ولا أعزل أحداً ، ولا أنقض رسماً ولا سنة ، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً » ، فرضي منه بذلك وجعله ولي عهده على كراهيّة منه عليه السلام بذلك (۳۷).
وهكذا نجد أن إمامنا وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر : إمّا القتل ، أو القبول ، فاقترح حلاً توفيقيّاً ، هو القبول المشروط. أراد أن يوحي للمأمون بأن الأسد قد يقع حبيساً ولكن لايجعله الأسر عبداً ، من هنا حدّد شروطه بحيث لا تضفي الشرعيّة على الحكم القائم ، فوجد المأمون نفسه مضطراً إلى قبولها.
كما اجرى إمامنا حواراً اقناعياً مع المأمون ، وبدلاً من اذعان الأخير للحقّ والمنطق احتكم إلى القوة ولوّح بها ، ولعلّ أوضح وأصرح تعبير عن ذلك ما جاء عن أبي الصلت الهروي : ان المأمون قال للرضا عليه السلام : فاني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك. فقال له الرضا عليه السلام : « إن كانت هذه الخلافة لك ، والله جعلها لك ، فلايجوز لك أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك ، وإن كانت الخلافة ليست لك فلايجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك » ، فقال له المأمون : يابن رسول الله ، فلابدّ لك من قبول هذا الأمر.
فقال : « لست أفعل ذلك طائعاً أبداً » ، فما زال يجهد به أيّاماً حتّى يئس من قبوله ، فقال له : فإن لم تقبل الخلافة ولم تجب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي (۳۸).
لقد أثار قرار القبول ردود أفعال مختلفة في الوسط الاسلامي ، وخاصّة الشيعي منه ، وسط دهشة المدهوشين وسخط الساخطين وتربص المتربصين ، وقد شرح الإمام عليه السلام لخلّص أصحابه ظروف ودوافع قبوله في مناسبات كثيرة ، وردّ على الشبهات المثارة بهذا الخصوص ، لاسيّما وان « الرفض » لو حصل لتفهّمه الخاص والعام ، لأنّه ينسجم مع وضعه العام كإمام معصوم وما تتبناه مدرسة أهل البيت عليهم السلام من مبادئ لاتقرّ التعاون مع الحاكم الظالم وترفض إعطاء الشرعيّة له ، ولكن « القبول » يحتاج إلى تفسير وتحليل وتهيئة الرأي العام لتقبّله ، من هنا جهد إمامنا بنفسه على شرح موقفه والملابسات والظروف التي أحاطت بقبوله كما ردّ الشبهات المثارة والتساؤلات المطروحة.
عن الريان بن الصلت ، قال : دخلت على علي بن موسى الرضا عليه السلام فقلت له : يابن رسول الله ، الناس يقولون : انّك قبلت ولاية العهد مع اظهارك الزهد في الدنيا ! فقال عليه السلام : « قد علم الله كراهتي لذلك ، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل ، اخترت القبول على القتل ، ويحهم ! أما علموا أن يوسف عليه السلام كان نبيا ورسولاً ، فلمّا دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك ، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه » (۳۹).
وليس ثمة عبارة يمكن أن تقنع الباحث بطبيعة الإمام عليه السلام في ولاية العهد أفضل من جملة « إنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه » التي علل فيها قبوله لعرض المأمون ، ذلك أن مجرّد التهديد بالقتل ـ بما هو تهديد للحياة الشخصيّة ـ ليس سبباً مقنعاً وراء قبول الإمام عليه السلام بولاية العهد ، فلابدّ من البحث عن سبب أعمق من المحافظة على الحياة الشخصيّة وراء ذلك ، وأوفق بشخصية الرضا عليه‌السلام كرجل لا تهمه حياته بقدر ما يهمّه مصلحة الإسلام. وهو في العبارة المتقدّمة قد وفر علينا عناء البحث وكشف بجلاء أنه خرج من العهد بمجرّد دخوله فيه من خلال الشروط التي اشترطها ، والتي حرص على مراعاتها والعمل بها على الرغم من محاولات المأمون المتكرّرة باشراكه في أعباء الحكم. وكان الإمام عليه السلام يذكّره على الدوام بالشروط المتّفق عليها ، وكان يعي طبيعة الشراك التي ستنصب في طريقه وليس أقلها شأناً وخطراً محاولة إدخاله في جهاز حكم وادارة لم يشكلها هو ، ولايتلاءمان مع توجهاته في الفكر والسياسة والأخلاق.
ومن الشواهد على ذلك ما جاء عن معمر بن خلاد ، قال : قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام : « قال لي المأمون يوماً : يا أبا الحسن ، انظر بعض من تثق به نوليه هذه البلدان التي قد فسدت علينا ، فقلت له : تفي لي وأفي لك ، فاني دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ولا أعزل ولا اُولي ولا اُشير حتّى يقدمني الله قبلك ، فو الله إن الخلافة شيء ما حدّثت به نفسي » (٤۰).
من جهة اخرى فإن الإمام عليه السلام لا ينظر لمصلحته الشخصيّة بقدر ما ينظر للمصلحة الإسلاميّة العليا ، ولو فرضنا جدلاً أن الإمام رفض الدخول في ولاية العهد فماذا يمكن أن يحدث ؟ فبغض النظر عن القتل الذي ينتظره سوف يفتح باباً من البلاء على أتباعه وأهل بيته من القتل والمطاردة والتضييق وما إلى ذلك. أضف إلى ذلك أنه لو قتل ـ على أكثر الاحتمالات ـ فستتعرض إمامة ولده الجواد وهو صغير إلى مخاطر جدية وهي في بدايتها ، وعليه بات من السهل أن ندرك أن الإمام عليه السلام كان يوازن بين المعطيات والنتائج المترتّبة على القبول والرفض ، واضعاً المصلحة الإسلامية العليا نصب عينه ، فرجح القبول على الرفض.
ولا بد من الفات النظر إلى أن الإمام عليه السلام كان لايتمكّن أن يصرح بالعلّة التامّة لقبوله ولاية العهد حرصاً على عدم كشفها للطرف الآخر وتحمل تبعات ذلك ، ولكنّه استعمل أسلوباً بارعاً في تعليله للقبول ، وهو أسلوب « السوابق التاريخيّة » وترك للسامع أن يستنتج بنفسه ما تتضمّنه من دلالات وما يكتنفها من ايحاءات ، وخير شاهد على ذلك ما جاء عن محمّد بن عرفة ، قال قلت للرضا عليه السلام : يابن رسول الله ، ما حملك على الدخول في ولاية العهد ؟ فقال : « ما حمل جدي أمير المؤمنين عليه السلام على الدخول في الشورى » (٤۱).
كان عليه السلام يضع المصلحة العليا للإسلام في جميع مواقفه ، وكان يطوّر موقفه حسب الظروف المحيطه به وفق هامش المناورة المتاح له. ولذا نجد أن موقفه الأوّل من العرض هو الإباء الشديد والرفض ، واعتلّ بعلل كثيرة ، فمازال المأمون يكاتبه ويسأله حتّى علم أنه لايكفّ عنه. وهناك شهادة مهمّة لأبي الصلت الهروي وكان من أقرب المقرّبين للإمام عليه السلام أقسم فيها بأن الإمام لم يدخل العهد طائعاً ، قال : والله ما دخل الرضا عليه السلام في الأمر طائعاً ، ولقد حمل إلى الكوفة مكرهاً ، ثم أشخص منها على طريق البصرة وفارس إلى مرو (٤۲).
وتوجد شهادة جماعيّة من أهل المدينة ، التي كان يسكنها الإمام عليه السلام ـ وأهل البيت أدرى بالذي فيه ـ تصوّر الحالة النفسيّة التي كان يعانيها امامنا ، وتكشف عن شدة الضغوط التي تعرض لها لكي يقبل ولاية العهد.
عن غياث بن أسيد ، قال : سمعت جماعة من أهل المدينة يقولون : ملك عبد الله المأمون.. فأخذ البيعة في ملكه لعلي بن موسى عليه السلام بعهد المسلمين من غير رضاه ، وذلك بعد أن هدّده بالقتل وألح عليه مرّة بعد أخرى ، في كلّها يأبى عليه ، حتّى أشرف من تأبّيه على الهلاك ، فقال عليه السلام : « اللهم انّك نهيتني عن الالقاء بيدي في التهلكة ، وقد أُكرهت واضطررت كما أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل متى لم أقبل ولاية عهده ، وقد أُكرهت واضطررت كما اضطر يوسف ودانيال عليهما السلام قَبِل كلّ واحد منهما الولاية من طاغية زمانه ». ثمّ قبل ولاية العهد من المأمون وهو باك حزين (٤۳).
فهذا النصّ يكشف عن درجة الضيق والإحراج والإكراه التي تعرض لها ، كما يعزز أسلوب « السوابق التاريخيّة » الذي اتبعه في سبيل تبرير قبوله بولاية العهد ، وكنّا قد أشرنا سابقاً بأنّه علل حمله على القبول كما حمل جدّه أمير المؤمنين عليه السلام على الدخول بالشورى ، وفي هذا النصّ يبرر اضطراره كما اضطر يوسف ودانيال عليهما السلام على قبول الولاية من طاغيتي زمانهم.
وكان الإمام عليه السلام في كلّ مناسبة يكشف عمّا يجيش في نفسه من مشاعر الألم والحسرة ويعبّر عن تبرمه وتذمره من هذه البيعة المفروضة ، وتغلف وجهه سحابة من الحزن والمرارة : عن ياسر الخادم ، قال : كان الرضا عليه السلام إذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد اصابه العرق والغبار رفع يديه ، وقال : « اللهم إن كان خروجي ممّا أنا فيه بالموت فعجّله إليَّ الساعة » ، ولم يزل مغموماً مكروباً إلى أن قبض (٤٤).
وممّا زاد من وطأة الإحساس بالضيق والظلم أن المأمون دسّ عيونه وآذانه لمعرفة تحرّكات الإمام وأخذ الجواسيس يحصون عليه أنفاسه ، ويحجبون عنه شيعته ومواليه ، فقد روى الصدوق أن هشام بن ابراهيم الراشدي الهمداني كان ينقل اخبار الرضا عليه السلام إلى ذي الرياستين والمأمون ، فحظي بذلك عندهما ، وكان لايخفي عليهما من أخباره شيئاً ، فولاه المأمون حجابة الرضا عليه السلام فكان لايصل إلى الرضا عليه السلام من أحبّ وضيق على الرضا عليه السلام وكان من يقصده من مواليه لايصل اليه ، وكان لايتكلّم الرضا عليه السلام في داره بشيء إلّا أورده هشام على المأمون وذي الرياستين (٤٥).
ولايخفى ان من أهداف المأمون عزل الإمام عليه السلام عن شيعته ومواليه ووضعه تحت الاقامة الجبريّة في خراسان تحت نظر السلطة وسمعها ، وعزله عن القاعدة الجماهيريّة. وقد فشلت هذه السياسة فشلاً ذريعاً ، فبدلاً من أن تتقلص شعبيّته لمشاركته بالحكم ولإظهاره من قبل السلطة بأنّه لم يكن زاهداً في الحكم ، وانطلاء هذه الحيلة على البعض ، فقد ازدادت شعبيّته ، وحاول خرق الحصار المفروض عليه فاستطاع التواصل مع أوساط لم تكن لتجرؤ على الاتّصال به.
من جانب آخر حاول المأمون احراج الإمام عليه السلام أمام علماء الأديان والمذاهب والملل ، والانتقاص من قدر ومنزلة الإمام واظهاره بمظهر العجز عن الإجابة فلما قدم علي بن موسى الرِّضا عليه السلام إلى المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصّابئين والهربذ الأكبر وأصحاب زردشت وقسطاس الرُّومي والمتكلّمين ليسمع كلامه وكلامهم ، فجمعهم.. قال الحسن بن محّمد النَّوفلي : فلمّا مضى ياسر التفت الرضا عليه السلام إلينا ، ثمَّ قال لي : « يا نوفليّ أنت عراقيّ ، ورِقةُ العراقيِّ غيرُ غليظةٍ ، فما عندك في جمع ابنِ عمِّك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات ؟ » فقلتُ : جُعلت فداك يريد الامتحان ويُحبُّ أن يعرف ما عندك ، ولقد بنى على أساس غيرِ وثيق البنيان وبئس والله مابنى.. فقال لي : « يانوفليُ ، أتحبُّ أن تعلم متى يندم المأمون ؟ » ، فقلتُ : نعم. قال : « إذا سمع احتجاجي على أهل التَّوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وعلى أهل الزَّبور بزبورهم ، وعلى الصّابئين بعبرانيتهم ، وعلى الهرابذةِ بفارسيّتهم ، وعلى أهل الرُّوم بروميَّتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلُغاتهم ، فإذا قطعتُ كلَّ صنف ودحضت حُجَّتهُ وترك مقالتهُ ورجع إلى قولي ، عَلِمَ المأمونُ أنَّ الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحقٍّ له ، فعند ذلك تكونُ النَّدامةُ منهُ ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليِ العظيم » (٤٦).
ولما دحض الإمام عليه السلام حججهم وأفحمهم ازدادت مكانته عند العلماء وذاع صيته ، وبذلك تجنب الإمام عليه السلام الوقوع في جميع النتائج السلبيّة لقبوله البيعة ، فلم يمنح الحكم الشرعيّة المطلوبة ، وبقبوله حال دون حدوث تغيير في القيادة لخط أهل البيت عليهم السلام في فترة حرجة ، وكان من الممكن أن يؤدي امتناعه إلى دعاية واسعة النطاق ضدّه بزعم أنه فوت فرصة ثمينة لا تقدّر بثمن ، كما أن الرفض قد يؤدي إلى الفتنة والبلبلة داخل الكيان الشيعي ، كأن يثار سؤال كبير : لماذا لم يقبل الخلافة أو ولاية العهد وقد عرضتا عليه ؟! بدل السؤال الذي أثاره البعض بعد قبوله : لماذا قبل ؟
أضف إلى ذلك أن الإمام عليه السلام قد حال دون حدوث موجة جديدة من الارهاب والمطاردة والقتل ضد العلويين من جديد ، كما أحدث بقبوله انقساماً حاداً في الصف العباسي لعدم قبول العباسيين بولاية العهد هذه خوفاً من انتقال الخلافة إلى البيت العلوي ، وهكذا نجد ان امامنا قد نجح من نقل المواجهة من طابع الدفاع والتوقيّ إلى حالة هجوميّة تشمل التصدّي والاختراق والانطلاق حسب ما تسمح به الظروف ، فترسخت الحالة الشيعيّة في زمانه واشتدّ ساعدها.
ونتيجة للمعطيات الايجابيّة تلك عمل المأمون على التخلّص من هذا الوجود الذي أقلق عليه هدوءه ، خصوصاً بعد أن أدرك بأن فصول الرواية التي أعدها من قبل قد اكتملت ولم تسفر عن النتائج المرجوة منها.
المبحث الثالث : آثار ولاية العهد في شهادة الإمام الرضا عليه السلام
هناك جملة من الروايات التي أخرجها الشيخ الصدوق في « عيون أخبار الرضا عليه السلام » والشيخ المفيد في « الإرشاد » صريحة كلّ الصراحة باضطلاع المأمون العباسي في جريمة قتل الإمام الرضا عليه السلام ، وفي بعضها التصريح من الإمام عليه السلام بأن المأمون سوف يقتله بالسم ، ومن هنا قال العلّامة المجلسي في الردّ على بعض المشكّكين بهذه الحقيقة : « والحق ما اختاره الصدوق والمفيد وغيرهما من أجلّة أصحابنا أنه مضىٰ عليه السلام شهيداً بسمّ المأمون » (٤۷).
هذا ، وقد أوردت تلك الروايات عللاً عديدة تقف وراء تلك الجريمة الشنعاء ، وهي :
أولاً : استثقال المأمون نصائح الإمام عليه السلام ومواعظه :
كان إمامنا لاينفكّ عن توجيه النصح والارشاد للمأمون ، يحثه على الاستقامة والتقوى ويخوفه من عواقب المعصية ويوصيه بالرّفق بالرعية ، وكان المأمون يُظهر قبوله بذلك ولكنّه في حقيقة الحال يخفي غضبه وسخطه ويتبرم من نصائح الإمام عليه السلام. فوجد فيه عائقاً يحول دون تمتعه بالسلطة ومغرياتها بدون رقيب أو معارض ، ومن الشواهد على ذلك قول الطبرسي : « كان سبب قتل المأمون إيّاه أنّه عليه السلام كان لا يحابي المأمون في حقّ ويجيبه في أكثر أحواله بما يُغيظه ويحقده عليه ، ولا يُظهر ذلك له ، وكان عليه السلام يُكثر وعظه إذا خلا به ، ويخوّفه الله تعالى ، وكان المأمون يظهر قبول ذلك ويبطن خلافه » (٤۸).
كان الإمام الرضا عليه السلام لا يبخل على المأمون بنصائحه القيمة ، وخاصة ما يتعلّق بالشؤون العامة ، ويمحضه ايّاها ولو تعارضت مع مصلحته الشخصيّة ، إحساساً منه بالمسؤوليّة الشرعيّة ، وبأن الدين النصيحة.
يروي سبط ابن الجوزي انّ الرضا عليه السلام قال للمأمون : « النصح لك واجب ، والغشّ لايحلّ للمؤمن ، إن العامة تكره ما فعلت معي ، والخاصّة تكره الفضل بن سهل ، والرأي أن تنحينا عنك حتّى تستقيم لك الخاصة
والعامة ، فيستقيم أمرك » (٤۹).
ثانياً : دافع الحسد :
وجد المأمون أن إمامنا قد بهر الألباب وحيّر العقول بعلميّته الفائقة وقطعه لحجّة كلّ من حاجه أو ناظره. كما وجد أن إمامنا أظهر قدرة فائقة على مداراة الناس وحسن التصرف ممّا جعل الجماهير تتعاطف معه وتتبارى في تكريمه والاحتفاء به ، فحسده على مكانته العالية في نفوس العلماء والعوام على حدّ سواء ، وكان ذلك أحد الدوافع التي جعلته يقدم على قتله حسداً له :
عن أحمد بن علي الأنصاري ، قال : سألت أبا الصلت الهروي فقلت له : كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السلام مع إكرامه ومحبّته له وماجعل له من ولاية العهد بعده ؟
فقال : إن المأمون إنما كان يكرمه ويحبّه لمعرفته بفضله ، وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس انه راغب في الدنيا فيسقط محلّه من نفوسهم ، فلما لم يظهر منه في ذلك للناس إلّا ما ازداد به فضلاً عندهم ومحلاً في نفوسهم .. وكان الناس يقولون : والله انّه أولى بالخلافة من المأمون ، وكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه فيغتاظ من ذلك ويشتدّ حسده له (٥۰).
ثالثاً ـ دسيسة الفضل بن سهل وأخيه :
المفارقة العجيبة أن الفضل بن سهل الذي عدّه البعض سبباً ـ كما أسلفنا ـ لإقدام المأمون على إلزام الإمام عليه السلام بولاية العهد ، عدّه البعض أيضا سبباً في إقدام المأمون على قتل الإمام عليه السلام هذه المرّة !. علماً بأن الفضل بن سهل قد اغتيل والإمام على قيد الحياة ، فكيف ـ والحال هذه ـ يشير على المأمون بذلك ؟ اللهم إلّا إذا كان المأمون يريد التخلّص من الفضل بن سهل والإمام عليه السلام معاً ليُرضي العامّة والخاصّة على حدّ سواء ، فأقدم على اغتيال الفضل في الحمّام ، وعلى اغتيال الإمام عليه السلام بالسمّ.
ومهما يكن من أمر فان الشيخ المفيد قدّس سرّه يرى بأن الفضل وأخاه كانا يحرضان المأمون على قتل الإمام عليه السلام وذلك لأن إمامنا : كان يُزري على الحسن والفضل ـ ابني سهل ـ عند المأمون إذا ذكرهما ، ويصف له مساوئهما وينهاه عن الإصغاء إلى قولهما ، وعرفا ذلك منه فجعلا يحطبان عليه عند المأمون ويذكران له عنه ما يُبعده منه ويُخوِّفانه من حمل الناس عليه ، فلا يزالان كذلك حتّى قلبا رأيه ، وعمل على قتله عليه السلام .. (٥۱).
رابعاً ـ التقرّب للعباسيين :
عمل المأمون على إعادة الجسور المقطوعة مع العباسيين ، وترميم ما تهدم من علائق معهم ، لذلك اتُهم المأمون في قتله ـ أيّ الرضا عليه السلام ـ تقرّباً للعباسيين (٥۲).
خامساً ـ الخوف من مبدأ النص :
لقد استبد القلق بالمأمون من تفاعل الأمّة مع مبدأ « النص » الذي تتبناهُ مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ذلك المبدأ الأمثل الذي ترسخ في وعي الأمّة منذ عهد الرسالة الأولى وازداد بفضل أهل البيت عليهم السلام ثباتاً ورسوخاً ، وما جاء دور الإمام الرضا عليه السلام إلّا وقد عقد المناظرات واحتجّ بمختلف الآيات البيّنات زيادة علىٰ ما أدلىٰ به من أحاديث آبائه الطاهرين عليهم السلام في مناسبات شتىٰ ، ونتيجة لذلك أدرك المأمون خطورة هذا المبدأ الذي دافع عنه الإمام بقوّة في مقابل اطروحة السلطة القائمة على صيغة « الرضا من آل محمّد » التي يكتنفها الغموض ويلفها الإبهام ، وأثبتت الأيّام عقمها وعدم مصداقيّتها. من هنا لم يعد مستبعداً إقدام المأمون على تصفية الإمام بعد إيجاده تياراً جماهيريّاً واسعاً يعتقد بذلك المبدأ.
يقول الشيخ محمّد مهدي شمس الدين : لقد أدرك المأمون واكتشف بخبرته السياسيّة أن ظهور هذه التفاعلات ـ ويقصد بها الجماهيريّة ـ يجب أن يكون الحدّ النهائي لهذه التجربة ، تجربة : ولاية العهد. لقد اكتشف أنه فشل في تحقيق هدفه الستراتيجي بشأن صيغة النصّ ، وان الإمام هو الذي انتصر عليه في هذا المجال ، فآثر أن يكتفي بما حقّقه من أهدافه الملحة العاجلة ، قبل أن يتفاعل انتصار الإمام عليه السلام في مجال صيغة النصّ ، فيخلق وضعاً لاسبيل إلى تداركه يلقي بخلافة المأمون في عاصفة قد تذهب بها في ثورة تحت شعار صيغة النص بنقائها وصفائها. فأنهى بيعة الموت بقتل الإمام الرضا عليه السلام بالسمّ (٥۳).
والملاحظ أن هناك روايات يُخبر من خلالها الإمام عليه السلام بأن المأمون سيقتله بالسمّ كما قُتل أبوه وأكثر أجداده عليهم السلام ، عن أبي الصلت الهروي قال ، قال الرضا عليه السلام : « ما منّا إلّا مقتول ، وإني لمقتول بالسمّ باغتيال من يغتالني ، أعرف ذلك بعهد معهود إليّ من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أخبره به جبرئيل عن ربّ العالمين عزّوجلّ » (٥٤).
كما كشف إمامنا لأبي الصلت الهروي فعلتهم الشنعاء ، قال أبو الصلت : دخلتُ على الرضا عليه السلام ، وقد خرج المأمون من عنده ، فقال لي : « يأبا الصلت قد فعلوها » وجعل يوُحّدُ الله ويُمجّدُهُ (٥٥).
إنّ موت الإمام عليه السلام المفاجئ والغامض لا يُفسر بمعزل عن الظروف الضاغطة التي عاشها الإمام بعد إجباره على قبول ولاية العهد.
على أنه لا يمكن غضّ الطرف أيضاً عمّا فعله المأمون مع الإمام قبل ولاية العهد أيضاً ، إذ أخرجه مكرها من بلدته وحرم جدّه واستقدمه إلى خراسان.
وكان الألم والحزن يعتصر قلبه لفراق أهله ، فعاش غريباً كما تعيش النبتة الغريبة في أرض غير أرضها ومناخ غير مناخها ، حتّىٰ قضىٰ نحبه عليه السلام شهيداً بطوس في قرية يقال لها « سنباذ » ، ودفن في دار قحطبة الطائي في القبة التي فيها هارون الرشيد ، إلى جانبه ممّا يلي القبلة ، في يوم الجمعة أو الاثنين ، في السابع عشر من صفر ، أو التاسع والعشرين منه ، وقيل في الحادي والعشرين من شهر رمضان أو في الثامن عشر من جمادي الأولى ، أو في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة ۲۰۳ هـ أو سنة ۲۰٦ هـ وقيل سنة ۲۰۲.
ورجح الصدوق أن وفاته كانت في شهر رمضان لتسع بقين منه سنة ۲۰۳ هـ عن تسع وأربعين سنة وستّة أشهر (٥٦).
فسلام عليه يوم وُلد ويوم استُشهد ويوم يُبعث حيّاً ، وصلّى الله على نبيّنا محمّد وآله الأكرمين الأطهار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الهوامش
۱. انظر : مروج الذهب / المسعودي ۳ : ۲۲٥.
۲. مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الأصبهاني : ۲۷۳.
۳. تاريخ الطبري ۹ : ۳۹۸.
٤. انظر : تاريخ اليعقوبي ۳ : ۱۱۷.
٥. تاريخ اليعقوبي ۳ : ٤۰٤.
٦. تاريخ الطبري ۱۰ : ۲۹.
۷. مروج الذهب / المسعودي ۳ : ۳۳٦.
۸. جهاد الشيعة / الدكتورة سميرة الليثي : ۳۱۹.
۹. تاريخ الطبري ۸ : ٥۲۸ ـ ٥۳٥.
۱۰. تاريخ الطبري ۸ : ٥۳٥ ـ ٥۳٦.
۱۱. تاريخ الطبري ۸ : ٥۳٦ ـ ٥۳۸.
۱۲. تاريخ الطبري ۸ : ٥۳۸ ـ ٥٤۰.
۱۳. تاريخ الخلفاء / السيوطي : ۳۰۷ و ۳۰۸.
۱٤. الفخري في الآداب السلطانية / ابن الطقطقا : ۲۰۰.
۱٥. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۱ : ۸٤ ، ح ۱۱ باب ۷.
۱٦. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۱ : ۸٤ ، ح ۱۱ باب ۷.
۱۷. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۱ : ۸۷ ، ح ۱۲ باب ۷.
۱۸. مقاتل الطالبيين : ٥٦۳.
۱۹. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱۷٦ ـ ۱۷۷ ، ح ۲۸ باب ٤۰.
۲۰. مقاتل الطالبيين : ٥٤۱ ، والفخري في الآداب السلطانية : ۱٦٥.
۲۱. تاريخ الطبري ۷ : ۱٦۸ ـ ۱٦۹.
۲۲. عقيدة الشيعة الإمامية / هاشم معروف الحسني : ۱٦۱ و ۱٦۲ ، والرواية في عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۷ ، ح ۱۷ ، باب ٤۰.
۲۳. جهاد الشيعة / الدكتورة سميرة الليثي : ۳٥۰.
۲٤. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۸ ، ح ۱۹ ، باب ٤۰.
۲٥. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٦۲ ، ح ۲۲ ، باب ٤۰.
۲٦. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱۷٦ ، ح ۲۸ ، باب ٤۰.
۲۷. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱۷۳ ح ۲٤ ، باب ٤۰.
۲۸. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٦٥ ، ح ۲۲ ، باب ٤۰.
۲۹. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٦۳ ، ح ۲۲ ، باب ٤۰.
۳۰. تاريخ الطبري ۷ : ۱۳۲.
۳۱. انظر : تاريخ الخلفاء / السيوطي : ۲٥۰.
۳۲. البداية والنهاية / ابن الاثير : ۱۰ : ۲٤۷.
۳۳. انظر : بحار الأنوار ٤۹ : ۳۱۳.
۳٤. نشأة الشيعة الإماميّة : ۲۳۱.
۳٥. جهاد الشيعة : ۳٦٥ ـ ۳٦٦.
۳٦. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٦۱ ، ح ۲۱ باب ٤۰.
۳۷. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۱ ، ح ۳ ، باب ٤۰.
۳۸. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۱ ، ح ۱ ، باب ٤۰.
۳۹. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۰ ، ح ۲ ، باب ٤۰.
٤۰. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱۷۷ ، ح ۲۹ ، باب ٤۰.
٤۱. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۲ ، ح ٤ ، باب ٤۰.
٤۲. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٥۲ ، ح ٥ باب ٤۰.
٤۳. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۱ : ۲۸ و ۲۹ ، ح ۱ ، باب ۳.
٤٤. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱۸ ، ح ۳٤ ، باب ۳۰.
٤٥. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۱٦٤ ، ح ۲۲ ، باب ٤۰.
٤٦. التوحيد / الصّدوق : ٤۱۷ ، باب ٦٥.
٤۷. بحار الأنوار ٤۹ : ۳۱۲ ـ ۳۱۳.
٤۸. اعلام الورى ۲ : ۸۰ ، باب ٦.
٤۹. تذكرة الخواص : ۳٥٥.
٥۰. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۲٦٥ ، ح ۳ باب ٥۹.
٥۱. الإرشاد ۲ : ۲٦۹ ، باب : ذكر وفاة الرضا عليه السلام وسببها.
٥۲. تاريخ الإسلام السياسي والديني / الدكتور حسن ابراهيم حسن ۲ : ۷۱.
٥۳. الشيخ محمّد مهدي شمس الدين / الإمام الرضا عليه السلام وولاية العهد ، مجلّة التوحيد ، العدد ۳٤ ـ السنة الرابعة ، محرم ، صفر ۱٤۰۷ هـ.
٥٤. عيون أخبار الرضا عليه السلام ۲ : ۲۲۰ ، ح ٥ باب ٤٦.
٥٥. الإرشاد ۲ : ۲۷۰ ، باب : ذكر وفاة الرضا عليه السلام وسببها.
٥٦. انظر : عيون أخبار الرضا عليه السلام ۱ : ۲۸ ، ح ۱ ، باب ۳.
مقتبس من كتاب [ الإمام الرضا عليه السلام سيرة وتاريخ ] / الصفحة : ۱٦۷ ـ ۱۹٦ ]]>
منتدى أهل البيت (عليهم السلام) اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106729
الإمام الحسن عليه السلام وأسئلة الأعرابي http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106592&goto=newpost Wed, 08 Nov 2017 17:48:58 GMT السيد جعفر مرتضى العاملي
مقتبس من كتاب : [ الحياة السياسيّة للإمام الحسن عليه السلام ] / الصفحة : ۱۱۷ ـ ۱۲۲

وإذا كانت الإمامة تقوم على ركنين رئيسين ، أحدهما : النصّ ، والآخر : العلم. فإنّنا نجد الأئمّة عليهم السلام يهتمّون بإظهار هذا النصّ ، والتركيز عليه باستمرار. وقد رأينا الإمام الحسن عليه السلام يهتمّ بهذه الناحية ، في كثير من أقواله ومواقفه ، فلقد ذكر في خطبه : أنّهم هم الذين افترض الله طاعتهم ، وأنّهم أحد الثقلين ، واستدلّ بحديث الغدير ، وبالأعلميّة (۱) وغير ذلك.
وكان هذا دأب الأئمّة عليهم السلام وشيعتهم الأبرار بصورة عامّة ، حتّى لقد رأينا الإمام عليّاً عليه السلام يستشهد الناس على حديث الغدير في رحبة الكوفة وغيرها (۲).
والإمام الحسين عليه السلام يستشهد الناس على حديث الغدير في منى (۳) .. إلى غير ذلك من مواقف لا مجال لتتبعها هنا.
وكذلك الحال بالنسبة إلى العلم ، فإنّهم عليهم السلام ما فتئوا يؤكّدون على أنّهم هم ورثة علم رسول الله صلّى عليه وآله ، وعندهم الجفر ، والجامعة ، وغير ذلك (٤) ..
وقد رأينا : أنّ الإمام عليّاً عليه السلام يهتم في إثبات صفة علم الإمامة للإمام الحسن عليه السلام منذ طفولته .. حتّى ليصبح إطلاعه على تلك العلوم ، التي لم ينل الآخرون منها شيئاً دليلاً على إمامته عليه آلاف التحيّة والسلام ..
ويلاحظ : أنّ أمير المومنين عليه السلام يهتم في إظهار ذلك لخصوص أولئك الذين استأثروا بالأمر ، وأقصوا أصحاب الحقّ الحقيقيين عن حقّهم الذي جعله الله تعالى لهم ، وما ذلك إلّا ليؤكّد لهم ، ولكلّ أحد على أنّهم ليسوا أهلاً لما تصدّوا له ، فضلاً عن أن يكون لهم أدنى حقّ فيه ..
وقد اتّبع عليه السلام في صياغة الحدث أسلوباً من شأنه أن يتناقله الناس ، ويتندروا به في مجالسهم .. إذ أنّ إجابة طفل لم يبلغ عمره العشر سنوات على أسئلة عويصة وغامضة ، لأمر يثير عجبهم ، ويستأثر باهتمامهم.
فقد ذكر القاضي النعمان في شرح الأخبار ، بإسناده عن عبادة بن الصامت ، ورواه جماعة عن غيره : أن أعرابيّاً سأل أبا بكر ، فقال : إنّي أصبت بيض نعام ، فشويته ، وأكلته وأنا مُحرم ، فما يجب عليّ ؟
فقال له : يا أعرابي ، أشكلت عليّ في قضيّتك. فدلّه على عمر ، ودلَّه عمر على عبد الرحمن بن عوف. فلمّا عجزوا قالوا : عليك بالأصلع.
فقال أمير المؤمنين : سل أيّ الغلامين شئت. ـ وأشار إلى الحسن والحسين عليهما السلام ـ.
فقال الحسن : يا أعرابي ، ألك إبل ؟
قال : نعم.
قال : فاعمد إليّ عدد ما أكلت من البيض نوقاً ، فاضربهنّ بالفحول ، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حجبت إليه.
فقال أمير المؤمنين : إن من النوق السلوب. ومنها ما يزلق (٥).
فقال : إن يكن من النوق السلوب وما يزلق ، فإن من البيض ما يمرق (٦).
قال : فسمع صوت : أيّها الناس ، إن الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمها سليمان بن داود (۷).
وثمة قضيّة أخرى ، وهي قضيّة ذلك الذي أقرّ على نفسه بالقتل ، حينما رأى : أن بريئاً سيقتل ، فحكم عليه أمير المؤمنين عليه السلام بعدم وجوب القَود ، فإنّه إن كان قتل فعلاً ، فقد أحيا نفساً ، ومن أحيا نفساً ، فلا قَوَد عليه.
قال ابن شهرآشوب : « وفي الكافي والتهذيب : أبو جعفر : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام سأل فتوى ذلك الحسن ، فقال : يطلق كلاهما ، والدية من بيت المال. قال : ولم ؟ قال : لقوله : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا » (۸).
وهناك أيضاً أسئلة الإمام عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام عن السداد ، والشرف ، والمروّة ، وغير ذلك من صفات .. فأجاب عنها ، فلتراجع (۹).
وأيضاً .. فهناك أسئلة ذلك الرجل عن الناس ، أشباه الناس ، وعن النسناس ، فأحاله الإمام على ولده الإمام الحسن عليه السلام : فأجابه عنها (۱۰).
وسأل أمير المؤمنين عليه السلام ولده الإمام الحسن عليه السلام : كم بين الإيمان واليقين ؟ قال : أربع أصابع. قال : كيف ذلك ؟ قال : الإيمان كل ما سمعته أذناك ... (۱۱) ..
وجاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فسأله عن الرجل ، إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ، وعن الرجل كيف يشبه الأعمام والأخوال .. واعتبر السائل أن إجابته على ذلك تعني : أن الذين غصبوا حقّه ليسوا بمؤمنين ، وإن لم يُجب فهو وإيّاهم شَرَع سواء.
وكان هو ، والحسن عليهما السلام ، وسلمان رحمه الله في المسجد الحرام ، فأحاله على الإمام الحسن ، فأجابه بما أقنعه. ثمّ أخبر أمير المؤمنين عليه السلام : أنّه الخضر (۱۲).
وأرسل معاوية إلى أمير المؤمنين يسأله : كم بين الحق والباطل ؟ وعن قوس قزح ، وما المؤنث ؟ وعن عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض ، فأحال ذلك أمير المؤمنين عليه السلام على الإمام الحسن عليه السلام ، فأجابه عنها (۱۳).
وأرسل قيصر يسأل معاوية عن بعض المسائل ، فلم يعلم جوابها ، فأحالها إلى الإمام الحسن عليه السلام (۱٤).
بل إنّنا نجد النبي صلّى الله عليه وآله نفسه يرجع السؤال إلى الإمام الحسن عليه السلام ، ليجيب عليه .. كما ورد في بعض النصوص (۱٥).
ويطلب الإمام علي عليه السلام منه : أن يكتب لعبد الله بن جندب ، فكتب إليه :
« إنّ محمّداً كان أمين الله في أرضه ، فلمّا أن قبض محمّداً كنّا أهل بيته ، فنحن أمناء الله في أرضه ، عندنا علم البلايا والمنايا ، وأنساب العرب ، ومولد الإسلام. وإنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان ، وبحقيقة النفاق ».
ثمّ يذكر عليه السلام ما لأهل البيت من الفضل العظيم .. ويقول : « نحن أفراط الأنبياء ، ونحن أبناء الأوصياء ـ ونحن خلفاء الأرض خ ل ـ ». ثمّ يذكر منزلتهم ، ولزوم ولاية أمير المؤمنين .. وهي رسالة هامّة لا بأس براجعتها في مصادرها (۱٦).
وأخيراً .. فقد روي عن عبد الله بن عبّاس ، قال : مرت بالحسن بن علي عليه السلام بقرة ، فقال : هذه حبلى بعجلة أنثى لها غُرَّة في جبهتها ، ورأس ذنبها أبيض ، فانطلقنا مع القصاب حتّى ذبحها ، فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها .. فقلنا له : أو ليس الله عزّ وجلّ ويعلم ما في الأرحام ، فكيف علمت ، قال : إنّا نعلم المخزون المكتوم ، الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ، ولا نبيّ مرسل ، غير محمّد وذريّته (۱۷).
وليراجع قوله عليه السلام حول ما هو مكتوب على جناح الجرادة ، واعتبار ابن عباس ذلك من مكنون العلم (۱۸).
وتفصيلات ذلك وسواه موجودة في المصادر التي في الهوامش.
الهوامش
۱. راجع : الغدير ج ١ ص ١٩٨ عن ابن عقدة ومروج الذهب ج ٢ ص ٤٣١ و ٤٣٢ والمناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ١١ و ١٢ وينابيع المودة ص ٤٨٢.
۲. راجع : الغدير ج ١ ودلائل الصدق ج ٣ وغير ذلك كثير ..
۳. راجع : الغدير ج ١ ودلائل الصدق ج ٣ وغير ذلك كثير ..
٤. راجع مكاتيب الرسول ج ١ ص ٥٩ حتّى ص ٨٩ فقد أسهب القول حول هذه الكتب واستشهادات الأئمّة بها ، وغير ذلك.
ومن الطريف في الأمر : أنّنا وجدنا العباسيين يحاولون أن يدَّعوا : أن عندهم صحيفة الدولة ، ولكنها تنتهي إلى محمّد بن الحنفيّة ، ثم إلى علي عليه السلام. وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا : الحياة السياسيّة للإمام الرضا عليه السلام ..
بل لقد حاول الأمويّون أن يدَّعوا مثل ذلك أيضاً راجع : محاضرات الراغب ج ٢ ص ٣٤٣.
٥. الناقة السلوب : التي مات ولدها ، أو القته لغير تمام ، وأزلقت الفرس : أجهضت ، أيّ ألقت ولدها قبل تمامه ..
٦. مرقت البيضة : فسدت.
۷. المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ ص ٣٥٤ / ٣٥٥ و ٣٣٥ عنه وعن العدد ، وحياة الحسن عليه السلام للقرشي ج ١ ص ٨٦ / ٨٧.
وقد ذكر القضيّة لكن بدون إحالة السؤال على الإمام الحسن كل من : ذخائر العقبى ص ٨٢ وإحقاق الحقّ ج ٨ ص ٢٠٧ وفرائد السمطين ج ١ ص ٣٤٢ / ٣٤٣ والغدير ج ٦ ص ٤٣ عن بعض من تقدّم ، وعن كفاية الشنقيطي ص ٥٧ والرياض النضرة ج ٢ ص ٥٠ و ١٩٤ وفي هامش ترجمة أمير المؤمنين لابن عساكر ج ٤٩ ص ٨٣ ، أو ٤٩٨ ترجمة محمّد بن الزبير.
۸. المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ١١. والآية في سورة المائدة آية ٣٤.
۹. راجع : نور الأبصار ص ١٢١ وتهذيب تاريخ دمشق ج ٤ ص ٢٢٠ / ٢٢١ وحلية الأولياء ج ٢ ص ٣٦ والبداية والنهاية ج ٨ ص ٣٩ وحياة الحسن عليه السلام للقرشي ج ١ ص ١٣٨ ـ ١٤٠ وكشف الغمة ج ٢ ص ١٩٤ / ١٩٥ ، والفصول المهمة للمالكي ١٤٤ ومعاني الأخبار ص ٢٤٣ و ٢٤٥ وتحف العقول ص ١٥٨ / ١٥٩ وعن شرح النهج للمعتزلي ج ٤ ص ٢٥٠ وعن البحار ج ١٧ وعن إرشاد القلوب للديلمي ج ١ ص ١١٦ وعن مطالب السؤل.
۱۰. تفسير فرات ص ٨ وعن البحار ج ٧ ص ١٥٠ ط عبد الرحيم.
۱۱. العقد الفريد ج ٦ ص ٢٦٨ وليراجع البحار ج ٤٣ ص ٣٥٧.
۱۲. إثبات الوصيّة ص ١٥٧ ، ١٥٨ ، والأحمدي عن البحار ج ١٤ ط كمباني ص ٣٩٦ والاحتجاج مرسلاً مثله ، وعن المحاسن ، وعلي بن إبراهيم.
۱۳. البحار ج ٤٣ ص ٣٢٥ وعيون أخبار الرضا ج ١ ص ٦٦ وتحف العقول ص ١٦٠ ـ ١٦٢. ونقل عن المعتزلي ج ١٠ ص ١٢٩ ـ ١٣١ ، والظاهر أن ثمة اشتباهاً في الأرقام.
۱٤. راجع : ربيع الأبرار ج ١ ص ٧٢٢.
۱٥. البحار ج ٤٣ ص ٣٣٥.
۱٦. الأحمدي عن البحار ط عبد الرحيم ج ٧ ص ٩٦ و ٩٩ عن فرات وعن كنز الفوائد ومعادن الحكمة ج ٢ ص ١٧٣ عن الكافي وبصائر الدرجات.
۱۷. البحار ج ٤٣ ص ٣٢٨ و ٣٣٧.
۱۸. البحار ج ٤٨ ص ٣٣٧ والخرايج والجرائح ص ٢٢١. ]]>
منتدى أهل البيت (عليهم السلام) اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106592
أبو الفضل العباس -عليه السلام- في كلمات المعصومين http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106553&goto=newpost Fri, 03 Nov 2017 20:10:50 GMT كتاب: العباس بن علي ملحمة الطف المؤلف: السيد محمد علي الحلو ___________________ احتلت شخصية العباس بن علي عليهما السلام اهتماماً واسعاً من قبل... كتاب: العباس بن علي ملحمة الطف
المؤلف: السيد محمد علي الحلو
___________________
احتلت شخصية العباس بن علي عليهما السلام اهتماماً واسعاً من قبل أئمة أهل البيت عليهم السلام لأهمية القضية التي كان العباس عليه السلام أحد اقطابها ورجالاتها البارزين، وكان الدور الذي يحتمله العباس عليه السلام في هذه القضية احدى الملاحم المهمة التي دعت أئمة أهل البيت عليهم السلام ان يجعلوه من اهم الشخصيات البارزة في سيرتهم ومشروعهم الرسالي، فقد أضحت شخصية العباس من اهم دواعي الاعتزاز التي يفتخر بها المخلصون الاوفياء، الذين يبحثون عن قدوتهم في هذا الشأن.
لقد اخذت شخصية العباس عليه السلام اهتمامها الواسع في أعمال المحققين، وكلمات المؤرخين، حتى انك لم تجد مؤرخا إلا وأشار إلى سيرة العباس عليه السلام تفصيلا وايجازا، مما يمكن القول ان هذه الشخصية الملحمية فرضت نفسها على الواقع التحقيقي، واملت المساحة التاريخية الشاسعة بالكثير من المواقف التي اذهلت الجميع.
ولعل ما نجده من كلمات المعصومين عليهم السلام في تقريض شخصية العباس عليه السلام سيكون حافزاً مهماً للوقوف على حقائق غيبية أشار اليها المعصوم، أوضح فيها معالم شخصيته التي لم يستطع أحد ان يستكشفها الا من خلال شواهد المعصومين عليهم السلام الذين دفعوا بهذه الشخصية المهمة إلى واجهة الأحداث فضلاً عن مواقفها ومحطات حياتها البطولية.
فإذا أردنا ان نستوضح مقامات أبي الفضل العباس عليه السلام وقفنا عند معالم حياته وشخصيته التي تعهد المعصومون بتوصيفها، مستعرضين كلماتهم وتقريضاتهم في هذا الشأن.

ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
واذا اردنا ان نقف عند بعض معالم شخصية أبي الفضل العباس عليه السلام فإننا سنجد علامة فارقة من اهم العلامات التي تنبئ على اهتمام الامام امير المؤمنين عليه السلام بولده العباس عليه السلام، حيث الجانب الذي اغفله الكثيرون ولم يلتفت اليه المحققون، حتى شهد له الامام عليه السلام بأنه ممن زق العلم زقا، وكان يواكب شخصية ولده العباس في تحولاتها الكمالية التي تعطي قراءة واضحة المعالم في اختزال التقريض والثناء من خلال ما شهد له الامام عليه السلام ويمكن القول ان اهتمام الامام عليه السلام بولده ابي الفضل العباس هو احدى التحضيرات المهمة لتعزيز المشروع الحسيني القادم.
والذي يمثل المرحلة الأخطر والاهم في جهود النبي صلى الله عليه واله وجميع أئمة اهل البيت عليهم السلام، ولا بد لهذا المشروع ان تهيئ آليات انجاحه من خلال الاعداد المتقن والتحضير المتكامل على يد المعصومين عليهم السلام.
فمن احاديث النبي صلى الله عليه واله إلى تنويهات الإمام علي عليه السلام إلى اعداد الامام الحسن عليه السلام لإنجاح هذا المشروع الرسالي، وكانت الاعدادات متعددة الجوانب، كثيرة الموراد، وكانت شخصية ابي الفضل العباس عليه السلام، من اهم وابرز هذه الاعدادات، ولا بد ان يكون التحضير العلمي لهذه الشخصية من أولويات الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في الاعداد، ليكون هذا العلم مستوعباً، لإطروحة الإمامة ومشروعه المتمثل بنهضة سيد الشهداء عليه السلام.
فالوعي المعرفي هو الأساس في التعامل مع المتغيرات التي تؤسس لقضية ما، من هنا فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله في ولده العباس (ان العباس بن علي زق العلم زقاً)1.
وهذه الشهادة التي شهد أمير المؤمنين لولده العباس تعطي انطباعاً مهماً عن شخصيته العلمية، فضلاً عن تفقهه وبصيرته وسيأتي في شهادة الإمام الصادق عليه السلام انه على بصيرة من امره.

ما ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام
وقد قرض الإمام زين العابدين في موارد كثيرة أبي الفضل العباس عليه السلام ونوه عن مقامه ومرتبته التي لا يدانيها احد، وترحم عليه، وبكى له، ورعى ولده بعده، وكان له مواقف تنبئ عن عظمة أبي الفضل العباس عليه السلام عند الإمام زين العابدين عليه السلام.
فقد روى علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن يونس، عن ابن أسباط، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن ثابت بن أبي صفية قال: نظر علي ابن الحسين سيد العابدين صلوات الله عليه إلى عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام فاستعبر ثم قال: (ما من يوم أشد على رسول الله صلى الله عليه وآله من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم موته، قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب.
ثم قال عليه السلام: ولا يوم كيوم الحسين صلى الله عليه ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة، كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا.
ثم قال عليه السلام: رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عز وجل بهما جناحين، يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة)2.
ويمكن الوقوف عند الرواية للإشارة إلى أمور:

الأمر الأول: أشار الامام زين العابدين عليه السلام إلى حالة الحزن التي اصابته بعد شهادة عمه حمزة رضوان الله عليه في معركة احد، وشهادة جعفر بن ابي طالب في مؤتة، فانهما من اهم ما اشتد فيهما على النبي صلى الله عليه واله هما حمزة وجعفر، ثم أشار الى ابي الفضل العباس عليه السلام، وواضح انه اراد عليه السلام التقريب بين الشهادتين، فكما أن النبي صلى الله عليه واله اشتد حزنه على عمه وابن عمه، فكذلك يشتد حزنه على ابي الفضل العباس عليه السلام بقرينة التقابل بين الشهادتين، وهو بيان لمنزلة العباس عليه السلام عند النبي صلى الله عليه واله والتي تضاهي منزلتي حمزة وجعفر.

الأمر الثاني: ان لجعفر بن ابي طالب مقاماً لا يدركه احد إلا المعصوم، وقد ابدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائكة، ومقتضى المقارنة بين الحالتين تقتضي التساوي في الرتبة بين الشهيدين في درجتهما عند الله تعالى، كما هو ظاهر من الرواية، ومفهوم المقابلة يفرض عليهما هذا الفهم في الدرجة والمرتبة.

الأمر الثالث: ان يوم الحسين عليه السلام هو اشد من يوم احد في نفس النبي صلى الله عليه واله، كما هو ظاهر حديث الامام عليه السلام اذ مقتضى الترقي يشير إلى ذلك، فبعد ان ذكر الامام زين العابدين عليه السلام ما أصاب النبي صلى الله عليه واله في يوم احد ثم يترقى الى مقام اخر وهو يوم الحسين عليه السلام، فظاهره أن يوم الحسين عليه السلام ليس كيوم احد بل هو اعظم واشد في نفس رسول الله صلى الله عليه واله.

الامر الرابع: ان الامام زين العابدين عليه السلام ذكر مراتب الايثار والبلاء والفداء التي تميز بها أبي الفضل العباس، فالإيثار الذي آثر به اخاه الحسين عليه السلام ووقاه بنفسه وقدم اخاه على كل شيء، ولم يدرْ في خلد أبي الفضل عليه السلام سوى سلامة أخيه الحسين وحياته الشريفة، وهو اندكاك وذوبان في نفس المعصوم اظهره العباس عليه السلام في مواقفه كلها، ومن ثم الى بلاءً حسناً في مواضع الدفاع عن المعصوم وقدم مثلا في البطولة والبأس لم يشهدها احد ٌمن قبل، وكل ذلك أدى إلى حالة الفداء بعد أن بذل نفسه مع سيد الشهداء، وأي مرتبة سامية كاشفة عن مقامات أبي الفضل عليه السلام وشأنه؟!
وهذه بعض مقامات العباس عليه السلام ومراتبه التي كشف عنها المعصوم في كلماته، ويمكن ان نستلخص منها اكثر من ذلك لولا مراعاة بعض المقامات التي أدركُ مراعاتها في هذا الشأن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام
تعد مشاريع الامام الصادق عليه السلام التأسيسية في مقام المعصومين من خلال ما ضمنها في مخصوص الزيارات هي إحدى المعالم المعرفية التي أكدها الامام عليه السلام في هذا الشأن.
ويمكن أن نستوضح ذلك من خلال استعراض نصوص الزيارات الكاشفة عن مقاماتهم عليهم السلام ومنها مقام أبي الفضل العباس عليه السلام وسيأتي التعرض إلى بعضها.
فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:
(كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وابلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً)3. فقد وصفه الإمام الصادق عليه السلام بصفة مهمة وهي:
نفاذ البصيرة
صفة معرفية تزيد الانسان معرفة لا تخالطها شبهة ولا يختلجها شك، وهذه الصفة فرع العلم الذي أشار اليه الامام أمير المؤمنين عليه السلام (بأن العباس زق العلم زقا)، ومن المؤكد ان ما اعترى خروج الامام الحسين عليه السلام إلى كربلاء من الاعتراضات والتشكيكات في صحة اقدامه على هكذا عمل قد يثير الربية في صحة ما اتخذه الامام عليه السلام، ويورث التردد -وقد اشرنا إلى حجم الاعتراضات التي اعترضت الامام الحسين عليه السلام منذ خروجه إلى كربلاء-.
ولابد من اجل الثبات على هذا الموقف من معرفة وبصيرة توجب الإيمان الذي لابد ان يتحلى به الشخص الذي يتبنى موقف النصرة للإمام الحسين عليه السلام، وما صدر من أبي الفضل العباس عليه السلام من البأس والشجاعة والفداء والإخلاص كلها بسبب ما امتاز به من بصيرة نافذة في تحقيق اهداف الامام الحسين عليه السلام من المضي بمشروعه الإلهي ذلك.
وقد فسر الامام الصادق عليه السلام المراد من نفاذ البصيرة وهو فرع الإيمان الذي هو فرع المعرفة بعد ذلك لما أردف بعد قوله (نافذ البصيرة) فقد أردفها بقوله (صلب الإيمان) وصلابة الإيمان تعطي بعداً من البأس والشجاعة والثبات.
كما انه (جاهد مع ابي عبد الله عليه السلام وابلى بلاءً حسناً) وهذا الثناء يدخل في عموم قوله عليه السلام: نافذ البصيرة، حيث البلاء الحسن في الجهاد كان بسبب ما انفتحت له بصيرة الحق والمعرفة التي تمكن من خلالها ان يفدي نفسه ويعرف بالولاء والفداء.

ما ورد عن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في الثناء على ابي الفضل العباس عليه السلام
وردت في زيارة الناحية المقدسة على شهداء الطف، وهي ملحمة للتعريف بصفاتهم عليهم السلام، والوقوف عند أحوالهم، ومعرفة قاتليهم حتى يتمكن ان تعد هذه الزيارة وثيقة تاريخية توثق للشهداء وتعطي بعداً معرفياً اخر.
فقد ورد عن الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف في أبي الفضل العباس عليه السلام قوله:
(السلام على العباس بن علي بن أمير المؤمنين المواسي أخاه بنفسه، الاخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي له، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن وقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي)4.
وهذا التسليم من الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف يشير الى حالات المواساة والفداء والتضحية التي تميز بها العباس عليه السلام واشتهرت عنه هذه الصفات التي اشارت الى التعريف بشخصيته وجهاده.

______
1 - اسرار الشهادة للدربندي الطبعة الحجرية: ص324
2 - بحار الانوار: ج22 ص 274.
3 - تنقيح المقال ج2 ص 128.
4 - البحار ج45 ص 65. ]]>
منتدى أهل البيت (عليهم السلام) اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106553
ا الباقر عليه السلام ومدرسته الإسلاميّة http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106479&goto=newpost Sat, 28 Oct 2017 17:14:16 GMT محمد تقي المدرسي مقتبس من كتاب الإمام الباقر عليه السلام قدوة وأسوة إذا كان العلم نور الله يقذفه في قلب من يشاء فما الذي يمنع عن قذف نور العلم في... محمد تقي المدرسي
مقتبس من كتاب الإمام الباقر عليه السلام قدوة وأسوة
إذا كان العلم نور الله يقذفه في قلب من يشاء فما الذي يمنع عن قذف نور العلم في قلب أوليائه ، هكذا كان من مصادر علم الأئمّة عليهم السلام الإلهام ، والذي ترافقه سكينة تجعلهم يثقون بأنّه من عند الله.
كذلك روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : إنّ علمنا غابر ومزبور ونكث في القلب ونقر في الأسماع ، قال : أمّا الغابر فما تقدّم من علمنا ، وأمّا المزبور فما يأتينا ، وأمّا النكث في القلوب فإلهام ، وأمّا النقر في الأسماع فإنّه من الملك.
وروى زرارة مثل هذا الحديث وأضاف : قلت كيف يعلم أنّه كان الملك ولا يخاف من الشيطان إذا كان لا يرى الشخص ؟ قال : إنّه يلقى عليه السكينة فيعلم أنّه من الملك ، ولو كان من الشيطان اعتراه الفزع. وإن كان الشيطان ـ بأزره ـ لا يتعرّض لصدّ هذا الأمر (۱).
وعلم الإمام الباقر عليه السلام ـ كما سائر أئمّة الهدى انبعث من هذه الروافد ، فلم يكن غريباً ، ما أظهر الله على لسانه من معارف الدين حتّى قال الشيخ المفيد قدّس سرّه : لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن وسيره وفنون الآداب ما ظهر عنه (۲).
من هنا نرى عظماء الفقه والحديث يعترفون بالمصدر الإلهي لعلمه الغزير ، فقد جاء في كشف الغمة عن الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة الطاهرة عن الحكم بن عتيبة ـ وكان من كبار فقهاء عصره ـ أنه قال في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ) (۳).
قال : كان والله محمّد بن علي منهم (٤).
وحكي عن أبي نعيم في كتابه الحلية أنّه سأل رجل ابن عمر عن مسألة فلم يدر ما يجيبه ، فقال اذهب إلى ذلك الغلام فسله وأعلمني بما يجيبك ، وأشار إلى الباقر عليه السلام فسأله فأجابه فأنجد ابن عمر فقال : إنّهم أهل بيت مفهمون (٥).
والتعبير بكلمة مفهمون كان شائعاً في ذلك العصر ، وكان يعني أنّهم مؤيّدون من عند الله يلقي عليهم الربّ علماً بالإلهام.
ولذلك ترى من العلماء من يقصدونه من كلّ أفق بحثاً عن علمه الإلهي حتّى روي عن عبد الله بن عطاء أنّه قال : ما رأيت العلماء عند أحد قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين عليه السلام ، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنّه صبي بين يدي معلمه (٦).
وقد روى عنه محمّد بن سلم ذلك الفقيه المتبحر ثلاثين ألف حديث ، أمّا جابر الجعفي فقد قال : حدّثني أبو جعفر سبعين ألف حديث لم أحدث أحداً أبداً (۷).
ولأن الظروف السياسيّة كانت تتسم ببعض الانفراج فلقد تسنى للإمام أن يحاجج الكثير من المخالفين له ويعيدهم إلى جادة الصواب ، والتاريخ يسجّل لنا بعض تلك الإحتجاجات ، وننقل شيئاً منها لتكون شاهدة على ما وراءها من الحجج البالغة.
۱ ـ لقد كان عبد الله بن نافع بن الأزرق واحداً من قادة الخوارج الذين كانوا أشدّ الفرق عداءً للإمام علي عليه السلام وأهل بيته ، وكان يقول : لو أنّي علمت أن بين قطريها أحداً تبلغني إليه المطايا يخصمني أن علياً قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحلت إليه ، فقيل له : ولده ، فقال : أفي ولده عالم ؟ فقيل له : هذا أوّل جهلك أو هم يخلون من عالم ؟ قال فمن عالمهم اليوم ؟ قيل : محمّد بن علي بن الحسين بن علي ، فرحل إليه في صناديد أصحابه حتّى أتى المدينة ، فاستأذن على أبي جعفر فقيل له : هذا عبد الله بن نافع ، قال : وما يصنع بي وهو يبرأ منّي ومن أبي طرفي النهار ؟! فقال له أبو بصير الكوفي : جعلت فداك ، إن هذا يزعم أنّه لو علم أن بين قطريها أحداً تبلغه المطايا إليه يخصمه أن عليّاً قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحل إليه ، فقال له أبو جعفر : أتراه جاءني مناظراً ؟. قال : نعم !. قال : يا غلام ، اخرج فحط رحله ، وقل له : إذا كان الغد فائتنا ، فلمّا أصبح عبد الله بن نافع غداً في صناديد أصحابه وبعث أبو جعفر إلى جميع أبناء المهاجرين والأنصار فجمعهم ، ثمّ خرج إلى الناس وأقبل عليهم كأنّه فلقة قمر فخطب فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله صلّى الله عليه وآله ثمّ قال : الحمد لله الذي أكرمنا بنبوّته واختصنا بولايته ، يا معشر أبناء المهاجرين والأنصار من كانت عنده منقبة لعلي بن أبي طالب فليقم وليتحدّث ، فقام الناس فسردوا تلك المناقب فقال عبد الله : أنا أروي لهذه المناقب من هؤلاء ، وإنّما أحدث علي الكفر بعد تحكيمه الحكمين حتّى انتهوا إلى حديث خيبر : « لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، كراراً غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه ». فقال أبو جعفر عليه السلام : ما تقول في هذا الحديث ؟ قال : هو حقّ لا شكّ فيه ولكن أحدث الكفر بعد ، فقال له أبو جعفر : ثكلتك أمّك ، أخبرني عن الله عزّ وجل أحبّ علي بن أبي طالب يوم أحبّه وهو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم ، فإن قلت لا كفرت ، فقال : قد علم ، قال : فأحبّه الله على أن يعمل بطاعته أو على أن يعمل بمعصيته ، فقال : على أن يعمل بطاعته ، فقال له أبو جعفر : فقم مخصوماً ، فقام وهو يقول : ( حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) ( اللَّـهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (۸).
۲ ـ وكان قتادة من أبرز فقهاء البصرة ولكنّه كان يتشوق إلى رؤية الإمام الباقر عليه السلام ومناظراته ، حيث كانت المدينة المنوّرة حاضرة الفقه والتفسير وسائر المعارف الإلهيّة ، ولذلك فقد انتشر علم الإمام إلى كلّ الآفاق ..
من هنا جاء قتادة إلى المدينة يسأل عن الإمام فلمّا رآه قال له الإمام : أنت فقيه أهل البصرة ؟ قال : نعم ، فقال : ويحك يا قتادة إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقاً فجعلهم حججاً على خلقه فهم أوتاد في أرضه ، قوام بأمره ، نجباء في علمه ، اصطفاهم قبل خلقه ، أظلَّة عن يمين عرشه. فسكت قتادة طويلاً ثمّ قال : أصلحك الله ، والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عبّاس فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم ما اضطرب قدامك ، فقال له أبو جعفر : أتدري أين أنت ؟ أنت بين يدي بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فأنت ثمّ ونحن أولئك. فقال له قتادة : صدقت والله جعلني الله فداك ما هي بيوت حجارة ولا طين ، قال : فأخبرني عن الجبن ، فتبسم أبو جعفر وقال : رجعت مسائلك إلى هذا ، قال : ضلت عنّي ، فقال : لا بأس به ، فقال : إنّه ربّما جعلت فيه أنفحة الميّت ، قال : ليس بها بأس إن الأنفحة ليس لها عروق ولا فيها دم ولا لها عظم ، إنّما تخرج من بين فرث ودم ، ثمّ قال : وإنّما الأنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة فهل تأكل تلك البيضة ؟ قال قتادة : لا ولا آمر بأكلها ، فقال له أبو جعفر : ولِمَ ؟ قال : لأنّها من الميتة ، قال له : فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها ؟ قال : نعم. قال : فما حرّم عليك البيضة وأحلّ لك الدجاجة ، ثمّ قال : فكذلك الأنفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلين ولا تسأل عنه إلّا أن يأتيك من يخبرك عنه (۹).
۳ ـ وقد بثّ الإمام من علمه بين الناس حتّى سمّي باقراً ، فقد جاء في لسان العرب أنّه لقب به « أيّ بالباقر » لأنّه بقر العلم ، وعرف أهله واستبسط فرعه وتوسع فيه. والتبقر التوسع (۱۰).
وقال ابن حجر في صواعقه المحرقة : سمّي بذلك من بقر الأرض أيّ شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها ، فكذلك هو أظهرَ من مخبأة الكنوز والمعارف ، وحقائق الأحكام والحكم ، ولطائف ما لا يخفى إلّا على متطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة ، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه (۱۱).
وقد أفاض الإمام على المسلمين من علمه عبر تربيته لطائفة عظيمة من الفقهاء والمفسّرين وحكماء المعارف الإلهيّة ، من أمثال جابر بن يزيد الجعفي ، ومحمّد بن مسلم ، وأبان بن تغلب ، ومحمّد بن إسماعيل بن بزيع ، وأبو بصير الأسدي ، والفضيل بن يسار وآخرين.
كما أنّه نشر العلم عبر من روى عنه من علماء عصره من أمثال : ابن المبارك ، والزهري ، والأوزاعي.
وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزياد بن المنذر الهندي والطبري والبلاذري والسلامي والخطيب وغيرهم (۱۲).
وكان الولاة يجأرون إلى أهل بيت الرحمة كلّما دهمتهم داهمة ، وبالرغم من الصراع الحاد القائم بين الطرفين لم يدّخر الأئمّة عليهم السلام وسعاً في خدمة الإسلام وإنقاذ الأمّة من الأخطار المحيطة بهم.
من ذلك ما ينقل لنا التاريخ من ورطة وقع فيها الخليفة الأموي عبد الملك حسبما ذكره إبراهيم بن محمّد البيهقي في كتابه المحاسن والمساوئ حيث نقل عن الكسائي أنّه قال :
دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد تشقّ عنه البدر شقّاً ، وأمر بتفريقه في خدم الخاصّة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله وكان كثيراً ما يحدثني فقال : هل علمت أوّل من سن هذه الكتابة في الذهب والفضّة ؟ قلت : يا سيّدي هو عبد الملك بن مروان ! قال : فما كان السبب في ذلك ؟ قلت : لا علم لي غير أنّه أوّل من أحدث هذه الكتابة ! فقال : سأخبرك : كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيّاً على دين ملك الروم وكانت تطرز بالروميّة ، وكان طرازها أباً وابناً وروحاً قديساً فلم يزل ذلك كذلك وصدر الإسلام كلّه يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه له وكان فطناً ، فبينا هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم إلى العربيّة ففعل ذلك ، فأنكره وقال : ما أغلظ هذا في الدين والإسلام ، أن يكون طراز القراطيس بمصر وهي تحمل في الأواني والثياب ، فتدور في الآفاق والبلاد وقد طرزت بشرك مثبت عليها ، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك ، وأن يأمر صنّاع القراطيس بأن يطرزوها بسورة التوحيد و ( شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ) (۱۳) ، وهذا طراز القراطيس خاصّة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغيّر ، وكتب إلى عمّال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل ، فلمّا أثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحملت إلى الروم ، انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم ، فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه واستشاط غضباً فكتب إلى عبد الملك :
إن عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم ، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته ، فإن كان من تقدمَك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت ، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا ، فاختر من هاتين الحالتين أيّهما شئت وأحببت ، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق ، حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية وكانت عظيمة القدر ، فلمّا قرأ عبد الملك كتابه ردّ الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية ، فانصرف بها إلى صاحبه فلمّا وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال :
إنّي ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي ، فأضعفت لك الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من ردّ هذا الطراز إلى ما كان عليه أوّلاً ، فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية. فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول :
إنّك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأوّل وقد أضعفتها ثالثة ، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لأمرن بنقش الدنانير والدراهم ، فإنّك تعلم أنّه لا ينقش شيء منها إلّا ما ينقش في بلادي ، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام فينقش عليها من شتم نبيّك ما إذا قرأته أرفض جبينك له عرقاً ، فأحبّ أن تقبل هديتي ، وتردّ الطراز إلى ما كان عليه ، وتجعل ذلك هدية بررتني بها وتبقى على الحال بيني وبينك.
فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض وقال : أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأنّي جنيت على رسول الله صلّى الله عليه وآله من شتم هذا الكافر ما يبقى غابراً ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب ، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم ، فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به ، فقال له روح بن زنباع : إنّك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنّك تتعمد تركه ، قال ويحك من ؟ قال : الباقر من أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله. قال : صدقت ولكن ارتج عليّ الرأي فيه فكتب إلى عامله بالمدينة أن أَشْخص إليّ محمّد بن علي بن الحسين مكرماً ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته ، وأزح علته في جهازه من يخرج معه من أصحابه ، واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليه ، فلمّا وافى أخبره الخبر فقال له الباقر عليه السلام :
لا يعظمن هذا عليك فإنه ليس بشيء من جهتين :
إحداهما إنّ الله عزّ وجلّ لم يكن ليطلق ما تهددك به صاحب الروم في رسول الله صلّى الله عليه وآله.
والأخرى وجود الحيلة فيه ، قال : وما هي ؟ قال : تدعو في هذه الساعة بصنّاع فيضربون بين يديك سككاً للدراهم والدنانير ، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أحدهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني ، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيه تلك الدراهم والدنانير ، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الأصناف الثلاثة التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل وعشرة منها وزن ستّة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً فتجزئها من الثلاثين فتصير العدّة من الجميع وزن سبعة مثاقيل ، وتصبّ صنجات من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان ، فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل.
وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنّما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن رأس البغل ضربها لعمر بن الخطاب بسكة كسروية في الإسلام مكتوب عليها سورة الملك ، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالاً والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السميرية الخفاف والثقال ونقشها نقش فارس.
ففعل عبد الملك ذلك وأمره محمّد بن علي بن الحسين أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام ، وأن يتقدّم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهدّد بقتل من يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها ، وأن تبطل وترد إلى مواضع العمل حتّى تعاد إلى السكك الإسلاميّة ، ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه يعلمه بذلك ، ويقول : إن الله عز وجل مانعك مما قدرت أن تفعله وقد أقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الروميّة.
فقيل لملك الروم : افعل ما كنت تهدّدت به ملك العرب فقال : إنّما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأنّي كنت قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم فأمّا الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وممتنع من الذي قال.
وثبت ما أشار به محمّد بن علي بن الحسين إلى اليوم ثمّ رمى يعني الرشيد بالدرهم إلى بعض الخدم (۱٤).
إن العلم الإلهي الذي حباه به الربّ بما أخلص له في الطاعة ، واجتهد في سبيله بالدعاء والعمل ، إنّه كان وراء إرشاده إلى السبيل الأفضل لمواجهة تهديد ملك الروم.
وهذا العلم كان يميّز الإمام الحقّ عمّن ادعوا هذا المقام بغير حقّ ، سواء الولاة الظالمون أو العلويّون الذين نازعوا الأئمّة حقّهم.
وهكذا نجد في تاريخ أهل البيت عليهم السلام كيف كان يقول شيعتهم عليهم بما لديهم من علم الدين والعلم بالحقائق الخفيّة بإذن الله ، وبالتوسم بنور الله وبتأييد ملائكة الله.
وفيما يلي ننقل بعض الأحاديث التي تزيدنا معرفة بمقام الإمامة عموماً وبدرجات الإمام الباقر عليه السلام بالذات.
فقد روى الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : دخل الناس على أبي ـ الإمام الباقر ـ وقالوا : ما حدّ الإمام ؟ قال : حدّه عظيم ، إذا دخلتم عليه فوقروه وعظموه وآمنوا بما جاء به من شيء ، وعليه أن يهديكم ، وفيه خصلة إذا دخلتم عليه لم يقدر أحد أن يملأ عينه منه إجلالاً وهيبةً ، لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله كذلك كان ، وكذلك يكون الإمام ، قالوا : فيعرف شيعته ؟ قال : نعم ساعة يراهم ، قالوا : فنحن لك شيعة ؟ قال : نعم كلّكم ، قالوا : أخبرنا بعلامة ذلك قال :أخبركم بأسمائكم وأسماء آبائكم وقبائلكم ؟ قالوا : أخبرنا ، فأخبرهم ، قالوا : صدقت.
قال : وأخبركم عمّا أردتم أن تسألوا عنه في قوله تعالى : ( كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ) (۱٥) نحن نعطي شيعتنا من نشاء من علمنا ، ثمّ قال : يقنعكم ؟ قالوا : في دون هذا نقنع (۱٦).
وينقل عبد الله بن معاوية الجعفري قصّته مع والي المدينة ، الذي بعث عبره برسالة تهديد إلى الإمام الباقر عليه السلام ، فلم يأبه بها الإمام لأنّ الله أطلعه على أنّه معزول قريباً ، يقول : سأحدثكم بما سمعته أذناي ورأته عيناي من أبي جعفر عليه السلام أنّه كان على المدينة رجل من آل مروان وأنّه أرسل إليّ يوماً فأتيته وما عنده أحد من الناس ، فقال : يا معاوية إنّما دعوتك لثقتي بك ، وإنّي قد علمت أنّه لا يبلغ عنّي غيرك ، فأحببت أن تلقي عمَّيك محمّد بن علي وزيد بن الحسين عليه السلام وتقول لهما : يقول لكما الأمير لتكفان عمّا يبلغني عنكما ، أو لتنكران ، فخرجت متوجّهاً إلى أبي جعفر فاستقبلته متوجّهاً إلى المسجد فلمّا دنوت منه تبسّم ضاحكاً فقال :
بعث إليك هذا الطاغية ودعاك وقال : ألقَ عمَّيك فقل لهما كذا ؟ قال : أخبرني أبو جعفر بمقالته كأنّه كان حاضراً ، ثمّ قال : يا ابن عمّ قد كفينا أمره بعد غد ، فإنه معزول ومنفي إلى بلاد مصر والله ما أنا بساحر ولا كاهن ، ولكنّي أُتيت وحدثت، قال : فو الله ما أتى عليه اليوم الثاني حتّى ورد عليه عزله ونفيه إلى مصر وولي المدينة غيره (۱۷).
أمّا أبو بصير الذي كان من خواصّ الإمام فإنّه يروي قصّته مع الإمام وكيف كان عليه السلام يراقبه ويؤدبه يقول :
كنت أقرئ امرأة القرآن بالكوفة فمازحتها بشيء ، فلمّا دخلت على أبي جعفر عاتبني وقال : من ارتكب الذنب في الخلاء لم يعبأ الله به ، أيّ شيء قلت للمرأة ؟ فغطيت وجهي حياءً. فقال أبو جعفر : لا تعد (۱۸).
ويروي أبو بصير أيضاً كيف أخبر الإمام عن ملك بني العبّاس قبل سنين من تولّيهم السلطة فيقول : كنت مع الباقر في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله قاعداً حدْثان ما مات علي بن الحسين عليه السلام إذ دخل الدوانيقي وداود بن سليمان قبل أن أفضي الملك إلى ولد العباس ، وما قعد إلى الباقر إلّا داود فقال الباقر عليه السلام : ما منع الدوانيقي أن يأتي ؟ قال : فيه جفاء ، قال الباقر عليه السلام : تذهب الأيّام حتّى يلي أمر هذا الخلق ويطأ أعناق الرجال ، ويملك شرقها وغربها بطول عمره فيها حتّى يجمع من كنوز الأموال ما لم يجتمع لأحد قبله ، فقام داود وأخبر الدوانيقي بذلك فأقبل إليه الدوانيقي وقال : ما منعني من الجلوس إليك إجلالك فما الذي خبرني به داود ؟ فقال : هو كائن ، قال : وملكنا قبل ملككم ؟ قال :نعم ، قال : يملك بعدي أحد من ولدي ؟ قال : نعم ، قال : فمدّة بني أميّة أكثر أم مدّتنا ؟ قال : مدّتكم أطول وليتلقفن هذا الملك صبيانكم ويلعبون كما يلعبون بالكرة ، هذا ما عهده إليّ أبي ، فلمّا ملك الدوانيقي تعجب من قول الباقر عليه السلام (۱۹).
الهوامش
۱. في رحاب أئمّة أهل البيت : ص ٦۰.
۲. في رحاب أئمّة أهل البيت في سيرة الباقر : ص ۷.
۳. سورة الحجر : الآي ۷٥.
٤. المصدر : ص ٦.
٥. المصدر.
٦. المصدر.
۷. المصدر.
۸. المصدر : ص ۹.
۹. المصدر : ص ۱۰ ـ ۱۱.
۱۰. المصدر : ص ٤۰.
۱۱. المصدر.
۱۲. المصدر : ص ۱۷.
۱۳. سورة آل عمران : الآية ۱۸.
۱٤. المصدر : ص ۱۳ ـ ۱٦.
۱٥. سورة إبراهيم : الآية ۲٤.
۱٦. بحار الأنوار : ج ٤٦ ص ۲٤٤.
۱۷. المصدر : ص ۲٤٦.
۱۸. المصدر : ص ۲٤۷.
۱۹. المصدر ص ۲٤۹. ]]>
منتدى أهل البيت (عليهم السلام) اعتدال حمود http://www.alkhaledoon.com/showthread.php?t=106479