السيد جعفر مرتضى العاملي
مقتبس من كتاب : [ الحياة السياسيّة للإمام الحسن عليه السلام ] / الصفحة : ۱۱۷ ـ ۱۲۲

وإذا كانت الإمامة تقوم على ركنين رئيسين ، أحدهما : النصّ ، والآخر : العلم. فإنّنا نجد الأئمّة عليهم السلام يهتمّون بإظهار هذا النصّ ، والتركيز عليه باستمرار. وقد رأينا الإمام الحسن عليه السلام يهتمّ بهذه الناحية ، في كثير من أقواله ومواقفه ، فلقد ذكر في خطبه : أنّهم هم الذين افترض الله طاعتهم ، وأنّهم أحد الثقلين ، واستدلّ بحديث الغدير ، وبالأعلميّة (۱) وغير ذلك.
وكان هذا دأب الأئمّة عليهم السلام وشيعتهم الأبرار بصورة عامّة ، حتّى لقد رأينا الإمام عليّاً عليه السلام يستشهد الناس على حديث الغدير في رحبة الكوفة وغيرها (۲).
والإمام الحسين عليه السلام يستشهد الناس على حديث الغدير في منى (۳) .. إلى غير ذلك من مواقف لا مجال لتتبعها هنا.
وكذلك الحال بالنسبة إلى العلم ، فإنّهم عليهم السلام ما فتئوا يؤكّدون على أنّهم هم ورثة علم رسول الله صلّى عليه وآله ، وعندهم الجفر ، والجامعة ، وغير ذلك (٤) ..
وقد رأينا : أنّ الإمام عليّاً عليه السلام يهتم في إثبات صفة علم الإمامة للإمام الحسن عليه السلام منذ طفولته .. حتّى ليصبح إطلاعه على تلك العلوم ، التي لم ينل الآخرون منها شيئاً دليلاً على إمامته عليه آلاف التحيّة والسلام ..
ويلاحظ : أنّ أمير المومنين عليه السلام يهتم في إظهار ذلك لخصوص أولئك الذين استأثروا بالأمر ، وأقصوا أصحاب الحقّ الحقيقيين عن حقّهم الذي جعله الله تعالى لهم ، وما ذلك إلّا ليؤكّد لهم ، ولكلّ أحد على أنّهم ليسوا أهلاً لما تصدّوا له ، فضلاً عن أن يكون لهم أدنى حقّ فيه ..
وقد اتّبع عليه السلام في صياغة الحدث أسلوباً من شأنه أن يتناقله الناس ، ويتندروا به في مجالسهم .. إذ أنّ إجابة طفل لم يبلغ عمره العشر سنوات على أسئلة عويصة وغامضة ، لأمر يثير عجبهم ، ويستأثر باهتمامهم.
فقد ذكر القاضي النعمان في شرح الأخبار ، بإسناده عن عبادة بن الصامت ، ورواه جماعة عن غيره : أن أعرابيّاً سأل أبا بكر ، فقال : إنّي أصبت بيض نعام ، فشويته ، وأكلته وأنا مُحرم ، فما يجب عليّ ؟
فقال له : يا أعرابي ، أشكلت عليّ في قضيّتك. فدلّه على عمر ، ودلَّه عمر على عبد الرحمن بن عوف. فلمّا عجزوا قالوا : عليك بالأصلع.
فقال أمير المؤمنين : سل أيّ الغلامين شئت. ـ وأشار إلى الحسن والحسين عليهما السلام ـ.
فقال الحسن : يا أعرابي ، ألك إبل ؟
قال : نعم.
قال : فاعمد إليّ عدد ما أكلت من البيض نوقاً ، فاضربهنّ بالفحول ، فما فصل منها فأهده إلى بيت الله العتيق الذي حجبت إليه.
فقال أمير المؤمنين : إن من النوق السلوب. ومنها ما يزلق (٥).
فقال : إن يكن من النوق السلوب وما يزلق ، فإن من البيض ما يمرق (٦).
قال : فسمع صوت : أيّها الناس ، إن الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمها سليمان بن داود (۷).
وثمة قضيّة أخرى ، وهي قضيّة ذلك الذي أقرّ على نفسه بالقتل ، حينما رأى : أن بريئاً سيقتل ، فحكم عليه أمير المؤمنين عليه السلام بعدم وجوب القَود ، فإنّه إن كان قتل فعلاً ، فقد أحيا نفساً ، ومن أحيا نفساً ، فلا قَوَد عليه.
قال ابن شهرآشوب : « وفي الكافي والتهذيب : أبو جعفر : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام سأل فتوى ذلك الحسن ، فقال : يطلق كلاهما ، والدية من بيت المال. قال : ولم ؟ قال : لقوله : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا » (۸).
وهناك أيضاً أسئلة الإمام عليه السلام لولده الإمام الحسن عليه السلام عن السداد ، والشرف ، والمروّة ، وغير ذلك من صفات .. فأجاب عنها ، فلتراجع (۹).
وأيضاً .. فهناك أسئلة ذلك الرجل عن الناس ، أشباه الناس ، وعن النسناس ، فأحاله الإمام على ولده الإمام الحسن عليه السلام : فأجابه عنها (۱۰).
وسأل أمير المؤمنين عليه السلام ولده الإمام الحسن عليه السلام : كم بين الإيمان واليقين ؟ قال : أربع أصابع. قال : كيف ذلك ؟ قال : الإيمان كل ما سمعته أذناك ... (۱۱) ..
وجاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، فسأله عن الرجل ، إذا نام أين تذهب روحه ؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى ، وعن الرجل كيف يشبه الأعمام والأخوال .. واعتبر السائل أن إجابته على ذلك تعني : أن الذين غصبوا حقّه ليسوا بمؤمنين ، وإن لم يُجب فهو وإيّاهم شَرَع سواء.
وكان هو ، والحسن عليهما السلام ، وسلمان رحمه الله في المسجد الحرام ، فأحاله على الإمام الحسن ، فأجابه بما أقنعه. ثمّ أخبر أمير المؤمنين عليه السلام : أنّه الخضر (۱۲).
وأرسل معاوية إلى أمير المؤمنين يسأله : كم بين الحق والباطل ؟ وعن قوس قزح ، وما المؤنث ؟ وعن عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض ، فأحال ذلك أمير المؤمنين عليه السلام على الإمام الحسن عليه السلام ، فأجابه عنها (۱۳).
وأرسل قيصر يسأل معاوية عن بعض المسائل ، فلم يعلم جوابها ، فأحالها إلى الإمام الحسن عليه السلام (۱٤).
بل إنّنا نجد النبي صلّى الله عليه وآله نفسه يرجع السؤال إلى الإمام الحسن عليه السلام ، ليجيب عليه .. كما ورد في بعض النصوص (۱٥).
ويطلب الإمام علي عليه السلام منه : أن يكتب لعبد الله بن جندب ، فكتب إليه :
« إنّ محمّداً كان أمين الله في أرضه ، فلمّا أن قبض محمّداً كنّا أهل بيته ، فنحن أمناء الله في أرضه ، عندنا علم البلايا والمنايا ، وأنساب العرب ، ومولد الإسلام. وإنّا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان ، وبحقيقة النفاق ».
ثمّ يذكر عليه السلام ما لأهل البيت من الفضل العظيم .. ويقول : « نحن أفراط الأنبياء ، ونحن أبناء الأوصياء ـ ونحن خلفاء الأرض خ ل ـ ». ثمّ يذكر منزلتهم ، ولزوم ولاية أمير المؤمنين .. وهي رسالة هامّة لا بأس براجعتها في مصادرها (۱٦).
وأخيراً .. فقد روي عن عبد الله بن عبّاس ، قال : مرت بالحسن بن علي عليه السلام بقرة ، فقال : هذه حبلى بعجلة أنثى لها غُرَّة في جبهتها ، ورأس ذنبها أبيض ، فانطلقنا مع القصاب حتّى ذبحها ، فوجدنا العجلة كما وصف على صورتها .. فقلنا له : أو ليس الله عزّ وجلّ ويعلم ما في الأرحام ، فكيف علمت ، قال : إنّا نعلم المخزون المكتوم ، الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ، ولا نبيّ مرسل ، غير محمّد وذريّته (۱۷).
وليراجع قوله عليه السلام حول ما هو مكتوب على جناح الجرادة ، واعتبار ابن عباس ذلك من مكنون العلم (۱۸).
وتفصيلات ذلك وسواه موجودة في المصادر التي في الهوامش.
الهوامش
۱. راجع : الغدير ج ١ ص ١٩٨ عن ابن عقدة ومروج الذهب ج ٢ ص ٤٣١ و ٤٣٢ والمناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ١١ و ١٢ وينابيع المودة ص ٤٨٢.
۲. راجع : الغدير ج ١ ودلائل الصدق ج ٣ وغير ذلك كثير ..
۳. راجع : الغدير ج ١ ودلائل الصدق ج ٣ وغير ذلك كثير ..
٤. راجع مكاتيب الرسول ج ١ ص ٥٩ حتّى ص ٨٩ فقد أسهب القول حول هذه الكتب واستشهادات الأئمّة بها ، وغير ذلك.
ومن الطريف في الأمر : أنّنا وجدنا العباسيين يحاولون أن يدَّعوا : أن عندهم صحيفة الدولة ، ولكنها تنتهي إلى محمّد بن الحنفيّة ، ثم إلى علي عليه السلام. وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا : الحياة السياسيّة للإمام الرضا عليه السلام ..
بل لقد حاول الأمويّون أن يدَّعوا مثل ذلك أيضاً راجع : محاضرات الراغب ج ٢ ص ٣٤٣.
٥. الناقة السلوب : التي مات ولدها ، أو القته لغير تمام ، وأزلقت الفرس : أجهضت ، أيّ ألقت ولدها قبل تمامه ..
٦. مرقت البيضة : فسدت.
۷. المناقب لابن شهرآشوب ج ٤ ص ٣٥٤ / ٣٥٥ و ٣٣٥ عنه وعن العدد ، وحياة الحسن عليه السلام للقرشي ج ١ ص ٨٦ / ٨٧.
وقد ذكر القضيّة لكن بدون إحالة السؤال على الإمام الحسن كل من : ذخائر العقبى ص ٨٢ وإحقاق الحقّ ج ٨ ص ٢٠٧ وفرائد السمطين ج ١ ص ٣٤٢ / ٣٤٣ والغدير ج ٦ ص ٤٣ عن بعض من تقدّم ، وعن كفاية الشنقيطي ص ٥٧ والرياض النضرة ج ٢ ص ٥٠ و ١٩٤ وفي هامش ترجمة أمير المؤمنين لابن عساكر ج ٤٩ ص ٨٣ ، أو ٤٩٨ ترجمة محمّد بن الزبير.
۸. المناقب لابن شهر آشوب ج ٤ ص ١١. والآية في سورة المائدة آية ٣٤.
۹. راجع : نور الأبصار ص ١٢١ وتهذيب تاريخ دمشق ج ٤ ص ٢٢٠ / ٢٢١ وحلية الأولياء ج ٢ ص ٣٦ والبداية والنهاية ج ٨ ص ٣٩ وحياة الحسن عليه السلام للقرشي ج ١ ص ١٣٨ ـ ١٤٠ وكشف الغمة ج ٢ ص ١٩٤ / ١٩٥ ، والفصول المهمة للمالكي ١٤٤ ومعاني الأخبار ص ٢٤٣ و ٢٤٥ وتحف العقول ص ١٥٨ / ١٥٩ وعن شرح النهج للمعتزلي ج ٤ ص ٢٥٠ وعن البحار ج ١٧ وعن إرشاد القلوب للديلمي ج ١ ص ١١٦ وعن مطالب السؤل.
۱۰. تفسير فرات ص ٨ وعن البحار ج ٧ ص ١٥٠ ط عبد الرحيم.
۱۱. العقد الفريد ج ٦ ص ٢٦٨ وليراجع البحار ج ٤٣ ص ٣٥٧.
۱۲. إثبات الوصيّة ص ١٥٧ ، ١٥٨ ، والأحمدي عن البحار ج ١٤ ط كمباني ص ٣٩٦ والاحتجاج مرسلاً مثله ، وعن المحاسن ، وعلي بن إبراهيم.
۱۳. البحار ج ٤٣ ص ٣٢٥ وعيون أخبار الرضا ج ١ ص ٦٦ وتحف العقول ص ١٦٠ ـ ١٦٢. ونقل عن المعتزلي ج ١٠ ص ١٢٩ ـ ١٣١ ، والظاهر أن ثمة اشتباهاً في الأرقام.
۱٤. راجع : ربيع الأبرار ج ١ ص ٧٢٢.
۱٥. البحار ج ٤٣ ص ٣٣٥.
۱٦. الأحمدي عن البحار ط عبد الرحيم ج ٧ ص ٩٦ و ٩٩ عن فرات وعن كنز الفوائد ومعادن الحكمة ج ٢ ص ١٧٣ عن الكافي وبصائر الدرجات.
۱۷. البحار ج ٤٣ ص ٣٢٨ و ٣٣٧.
۱۸. البحار ج ٤٨ ص ٣٣٧ والخرايج والجرائح ص ٢٢١.