الشيخ جعفر السبحاني
مقتبس من كتاب سيّد المرسلين صلّى الله عليه وآله الجزء ٢

لقد فتح تمركز المسلمين في المدينة فصلا جديدا في حياة رسول الله صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله.
فقد كان صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله قبل دخوله المدينة لا يهمّه إلاّ جذب القلوب والدعوة إلى دينه ، ولكنه اليوم عليه أن يعمل ـ كصاحب دولة محنّك ـ على حفظ كيانه وكيان جماعته ، ولا يسمح للأعداء الداخليين والخارجيين بالتسلّل والنفوذ في صفوفهم ، ولكنه كان يواجه في هذا السبيل ثلاث مشاكل كبرى :
١ ـ خطر قريش وعامة الوثنيين في شبه الجزيرة العربية.
٢ ـ خطر يهود يثرب الذين كانوا يقطنون داخل أو خارج المدينة ويمتلكون ثروة كبيرة.
٣ ـ الاختلاف الذي كان بين أتباعه من المهاجرين وبين الأوس والخزرج.
وحيث إن المهاجرين والانصار قد نشئوا في بيئتين مختلفتين ، لهذا كان من الطبيعي أن يختلفوا في طريقة المعاشرة ، وآداب السلوك ، واسلوب التفكير اختلافا كبيرا.
هذا مضافا إلى أن الأوس والخزرج الذين كانوا يشكّلون جماعة الأنصار كانوا هم يعانون من رواسب عداء قديم وبقايا ضغائن نشأت خلال حروب موية طويلة استغرقت مائة وعشرين سنة بلا انقطاع.
ومع وجود مثل هذه التناقضات والأخطار المحتملة لم يكن مواصلة الحياة الدينية ، والسياسية المستقرة أمرا ممكنا قط.
ولكن رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله تغلّب على كل هذه المشكلات بطريقة حكيمة ، غاية في الحنكة والابداع.
فبالنسبة إلى المشكلتين الأوليين فقد عالجهما بالقيام بأعمال سيأتي ذكرها في المستقبل.
وأما بالنسبة إلى مشكلة التناقضات بين فئات وأصناف جماعته فقد عالج تلك المشكلة بحذق كبير ، وتدبير رائع جدا.
فقد امر من جانب الله تعالى بأن يؤاخي بين المهاجرين والأنصار.
فجمعهم رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله ذات يوم وقال لهم : « تآخوا في الله أخوين أخوين ».
وقد ذكرت المصادر التاريخيّة الاسلامية ، مثل « السيرة النبوية » لابن هشام (١) اسماء كلّ متآخيين من المهاجرين والأنصار.
وبهذا الاسلوب كرّس رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله الوحدة السياسية والمعنوية بين المسلمين وقوّى اسسها ودعائمها.
وقد سببت هذه الوحدة ، وهذا التآخي الواسع في أن يقرّر حلا للمشكلتين الاوليين بسرعة وسهولة.

منقبتان عظيمتان :
ولقد ذكر أكثر مؤرّخي السنة والشيعة ومحدّثيهم في هذا الموضع منقبتين عظيمتين ، نذكرهما نحن هنا أيضا : لقد آخى رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله بين ثلاثمائة من أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو يقول : يا فلان أنت أخ لفلان.
ولما فرغ من المؤاخاة ، قال له علي عليه‌ السلام ، وهو يبكي : « يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد »؟
فقال له رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله وقد أخذ بيده : « أنت أخي في الدنيا والآخرة » (٢).
وقد ذكر القندوزي الحنفي هذه القضية بنحو أكثر تفصيلا اذ قال : فقال رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله لعلي : « والذي بعثني بالحق نبيا ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي ، وأنت أخي ووارثي » (۳).
غير ان ابن كثير شكّك في صحة هذا الرواية (٤) ، وحيث إن هذه التشكيك نابع من نفسيّته الخاصة ، ولا يقلّ تفاهة وبطلانا من اعتذاره ودفاعه عن معاوية وزمرته الباغية عن قتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر لهذا نرجح أن نصرف النظر عن النقاش فيه ، ونترك القضاء والحكم عليه للقارئ المنصف ، والمتتبع العدل.

منقبة أخرى لعليّ عليه‌ السلام :
فرغ رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله من بناء المسجد ، وقد بنيت منازله ومنازل أصحابه حول المسجد ، وكلّ شرع منه بابا إلى المسجد ، وخطّ لحمزة خطا فبنى منزله فيه ، وشرع بابه الى المسجد وخط لعليّ بن أبي طالب مثل ما خط لهم فبنى منزله فيه وشرع بابه إلى المسجد ، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد من تلك الابواب.
وفجأة نزل جبرئيل على رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله وقال : « يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تأمر كلّ من كان له باب إلى المسجد أن يسدّه ولا يكون لأحد باب إلى المسجد إلاّ لك ولعليّ عليه‌ السلام ».
يقول ابن الجوزي : فأوجد هذا الامر ضجة عند البعض ، وظنوا أنّ هذا الاستثناء قد نشأ عن سبب عاطفي ، فخطب رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله في الناس وقال فيما قال : « والله ما أنا أمرت بذلك ، ولكنّ الله أمر بسدّ أبوابكم وترك باب عليّ » (٥).
وخلاصة القول أنّ رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله قضى عن طريق المؤاخاة الاسلاميّة بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين على الاختلافات القديمة التي كانت رواسبها باقية بين المسلمين إلى ذلك اليوم ، وبذلك حل مشكلة من المشاكل الثلاث التي مرّ ذكرها.

الهوامش

(۱) السيرة النبوية : ج ١ ص ٥٠٤ ـ ٥٠٧.
(۲) المستدرك على الصحيحين : ج ٣ ص ١٤.
(۳) ينابيع المودة : ص ٥٦ ، ونظيره في السيرة النبوية.
(٤) البداية والنهاية : ج ٢ ص ٢٢٦.
(٥) تذكرة الخواص : ص ٤٦ ، بتصرف بسيط.