من بين الموتى هذه المرأة الشابة عند سكة الحديد والتي لم تفلح في الهروب. لايعرف أي شيء عنها غير أقوال الرجل الذي رأى ذلك ، لكنه لايقدر على فهمه. إنها تحيا في ذاكرته حسب.
كان الناس ينقلون في عربات مختومة من قطارات طويلة متوجهة صوب معسكرات الافناء. كانوا يهربون أيضا. لم يكن هناك الكثيرون الذين أقدموا على ذلك. فهذا يحتاج الى قدر أكبر من الشجاعة. معلوم أن الهروب كان أفضل من التوجه صوب موت محتوم وبدون أمل أو إعتراض أو تمرد.
في الضجيج الأصم لعربة البضائع المارقة لا أحد في الخارج يسمع ما يجري في داخلها.
كانت الطريقة الوحيدة للهروب كسر ألواح أرضية العربة. وفي التراص الفظيع للناس الجائعين والوسخين بدا هذا أمرا مستحيلا . كان من الصعب التحرك ولو قيد أنملة. وهذه الكتلة البشرية المكبوسة التي يتقاذفها إيقاع القطارالهادركانت تتدحرج وتترنح في الظلام والجو الخانق.. ولكن حتى من بلغوا الدرجة القصوى من الضعف والخوف ولم يكن بمقدورهم أن يحلموا بالهرب ، أدركوا بأن من الواجب مساعدة من يريد الهرب. إنحنوا وتراصوا ورفعوا أقدامهم الغائرة في السماد الحيواني لكي يفت
حوا أمام الآخرين الدرب الى الحرية.
كان إقتلاع الألواح من ناحية أخرى بداية اﻷمل. ولابد من جهد جماعي . إستمرت العملية ساعات طوال. بقيت حينها للقلع لوحة أخرى وأخرى. ومن كان واقفا قرب تلك الفتحة تراجع الى الوراء مذعورا. كانت الجرأة مطلوبة للنفوذ مرة بالأيدي وأخرى بالأرجل ، عبرها في دوي الحديد وصريره. وفي عاصفة الهواء الذي يهبّ من تحت وفوق فلنكات السكة. كان الطريق هوعبر التشبث بالمحور تحت العربة والزحف بالأيدي صوب أفضل مكان للإنقاذ. كانت هناك طرق كثيرة للنزول بين السكتين والعبور بين العجلات الى حافة السكة. وبعدها يستعيد المرء وعيه ثم التدحرج على مرتفع السكة والهروب في غابة مجهولة تعذبها الظلمة.
كان الناس يسقطون بين العجلات ، غالبما يفارقون الحياة على الفور بسبب لوحة تعترض طريقهم أو حافة مزلاق أو أنهم يرتطمون بعمود أو صخرة عندما يقفزون من تحت العربة. تكسرت أيديهم وأرجلهم . يلتقطهم العدو ثم يصبحون عرضة وهم في هذه الحالة ، الى أصناف من قسوته. كان معلوما الى أين يمضي من أقدموا على الدخول في هذه الظلمة المدوّية والمارقة ، كما كان ذلك معلوما لدى من بقوا رغم أن الإنحناءة مستحيلة في الابواب المغلقة بإحكام والنوافذ الصغيرة العالية. في تلك اللحظة دوّى فوق رؤوس المسافرين شريط من الطلقات كما لو أن شيئا قد إنفجر على سطح العربة. ثم سكتت الطلقات. وإستطاع المسافرون الآن أن ينظروا الى المكان المظلم الذي خلفته الالواح المنزوعة كما لو أنه قبر مفتوح، وبعدها المضي بهدوء صوب الموت الذي ينتظر عند نهاية الطريق.
مضى القطار منذ زمن بعيد في الظلام ومعه الدخان والدوي ، وكان العالم يحيط بالمكان.
وذلك الإنسان الذي لم يقدر على أن يفهم وأن ينسى ، يحكي القصة مرة أخرى.
حين إنبلج ضوء النهار جلست المرأة المصابة بركبتها ، على حافة خندق سكة القطار. كان العشب رطبا. أحدهم تمكن من الهرب ، وآخر عند الغابة بعيدا عن السكة يرقد بلاحراك . هرب بضعة أشخاص ، وقتل إثنان منهم . وهي الوحيدة بينهم معلقة بين الحياة والموت.
عندما عثر عليها كانت لوحدها. ظهر الناس ببطء في هذه البقعة النائية. جاءوا من جهة معمل الطابوق ومن القرية. وقفوا خائفين. كانوا ينظرون من على مبعدة - عمال ونساء وصبي واحد. وفي كل لحظة كانت تتشكل دائرة صغيرة من الناس الذين توقفوا ونظروا ثم إنصرفوا بسرعة. وجاء آخرون لكنهم لم يتوقفوا طويلا أيضا. كانوا يتحدثون بأصوات خفيضة فيما بينهم . تنهدوا وتباحثوا عند الإنصراف.
الحال ﻻتثير الشكوك. شعرها الأسود المجعّد المنثور بطريقة واضحة للغاية ، وعيونها التي كان يسيح السواد القاتم منها ، ونظراتها الذاهلة تلك . لم يخاطبها أي أحد ، بل هي من سأل : هل أن أولئك الذين يرقدون في الغابة هم أموات؟. عرفت بأنهم غير أحياء.
كان يوما مشمسا أبيض . المكان مفتوح ومرئي من كل ركن. عرف الناس بالحادث. وكان الزمن زمن الإرهاب الأشد. جزاء تقديم المساعدة أو الملجأ كان الحكم بالموت أمرا مؤكدا.
رجل في مقتبل العمر كان قد وقف طويلا ثم إنصرف لكنه عاد بعد خطوات الى المكان ، رجته بأن يأتي لها من الصيدلية ب( فيرونال)*. أعطته نقودا لكنه رفض. وللحظات إستلقت مغمضة العينين ثم جلست من جديد وحرّكت ساقها ثم طوّقتهما بكلتى يديها. أزاحت التنورة عن الركبة. كانت يداها ملطختين بالدم. وكان هذا الحكم بالموت المنفذ فيها ، في ركبتها ، مستقرا هناك كمسمار ربطها بالأرض. رقدت طويلا بهدودء ، وأسبلت أجفان عينيها الشديدتي السواد. وفي الأخير عندما فتحتهما رأت حولها وجوها جديدة. ذلك الشاب ما زال واقفا. حينها رجته أن يشتري لها فودكا وسجائرا. لبّى طلبها.
كان حشد الناس عند مرتفع السكة ملفتا للانظار. على الدوام كان ينضم إليه إنسان جديد. وهي رقدت بين الناس لكنها لم تتوقع المساعدة. رقدت كالحيوان الجريح في أثناء الصيد والذي نسوا أن يجهزوا عليه. كانت مخمورة . وبعدها غفت. ثمة قوة لاتقهر فصلتها عنهم جميعا بسور من الهلع.
ومرّالوقت. عادت تلك القروية العجوز التي كانت قد تركت المكان. كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة. إقتربت منها كثيرا و أخرجت من تحت منديلها كوبا معدنيا ملؤه الحليب وخبزا. إنحنت ووضعت بسرعة ، هذه الأشياء في يد الجريحة وإبتعدت على الفور، لكي ترقب الجريحة من بعيد وتتأكد من أنها شربت الحليب أم لا. وعندما شاهدت إثنين من رجال البوليس قادمين من المدينة الصغيرة إختفت بسرعة وهي تغطي وجهها بالمنديل.
كذلك تفرق الآخرون. لم يبق غير ذلك الثعلب من المدينة الصغيرة الذي جاءها بالفودكا والسجائر، فقد كان برفقتها إلا أنها لم ترد منه شيئا آخر.
إقترب رجلا البوليس بكل جد لكي يعرفا جلية الامر. فهما الوضع ، وتدارساه. طلبت منهما أن يطلقا النارعليها . تكلمت بصوت خفيض لكي يفعلا هذا الشيء بدل إبلاغ إحدى الجهات بالأمر. كانا مترددين.
غادرا المكان أيضا وهما يتبادﻻن الحديث . توقفا ثم تابعا السير. لم يكن معروفا على أي شيء إتفقا. في كل الاحوال لم يلبيا طلبها. لاحظت أن ذلك الشاب المؤدب الذي أشعل لها السيجارة بوﻻعة معطوبة غادر المكان معهما. وكانت قد أخبرته بأن أحد الرجلين المقتولين عند الغابة هو زوجها. وبدا أن لهذا الخبر كان وقع سيء في نفسه.
حاولت أن تشرب الحليب لكن بعد لحظة تفكير وضعت الكوب على العشب . وجاء يوم ثقيل مليء بالريح من أيام مطلع الربيع. كان الجو باردا. وراء الحقل الفارغ كانت هناك بضعة بيوت، ومن الطرف الآخر كانت هناك بضع أشجار صنوبر تكنس السماء بأغصانها. والغابة التي كانت وجهة هربهم بدت بعيدة عن السكة وراء رأسها. وكان هذا الخلاء هو كل العالم الذي كانت تنظر إليه .
عاد الشاب . ومرة أخرى شربت الفودكا من القنينة ، وهو أشعل لها سيجارتها. وتقدّم الغروب الخفيف في السماء من جهة الشرق ، ومن الغرب تصاعدت الغيوم و أعمدة السحب بسرعة.
توقف أناس جدد عائدون من العمل. من سبقهم أوضحوا لهم ما الذي حدث. كانوا يتكلمون كأنها ليست هناك ولاتسمعه. زوجها مقتول ملقى هناك - كان هذا صوت إمرأة - وكانوا قد هربوا من القطار الى هذه الغابة الصغيرة لكنهم اطلقوا الناروراءهم من مدفع رشاش. قتلوا زوجها وهي بقيت هنا لوحدها. أصابوها في ركبتها ، ولم تقدر على مواصلة الهروب
لو كانت في الغابة لكان من الأسهل أخذها. ولكن هنا تحت أبصار الناس؟ ليس هناك من وسيلة.
قالت هذه الكلمات المرأة العجوز التي جاءت لكي تأخذ كوبها. نظرت بصمت الى الحليب المسفوح في العشب.
إذن لم يرغب أحد في أخذها من هناك قبل حلول الليل وﻻ إخبار طبيب وﻻ نقلها الى المحطة لكي تذهب من هناك الى المستشفى. ﻻ شيء من هذا القبيل كان متوقعا. إنتهى الأمر كي تموت بهذه الصورة أو غيرها.
عندما فتحت عينيها في الغروب لم يكن هناك أحد بقربها عدا رجلي البوليس اللذين كانا قد عادا ، وذلك الشاب الذي لم يذهب البتة. قالت مرة أخرى بأن يطلقا النارعليها ولكن بدون إقتناع بأنهم سيفعلون ذلك.
رجلا البوليس ترددا في البت في ما ينبغي عمله. أحدهما إستحث الآخرالذي قال:
. أنت لوحدك-
:لكنها سمعت صوت ذلك الشاب
هيّا يا سيّد ، إعطني. -
تجادلوا فيما بينهم . وتحت أجفان مفتوحة قليلا رأت كيف أخذ رجل البوليس مسدسه من القراب وأعطاه لذلك الغريب.
ورأى الناس الواقفون في مجموعة صغيرة على مبعدة كيف إنحنى عليها. سمعوا الإطلاقة وصرفوا أنظارهم مستائين.
كان من الأحسن أن ينادوا أحدا وليس أن يفعلوا بهذا الشكل.. كأن هناك كلبا
وعندما حل الظلام خرج من الغابة شخصان لكي يأخذوها. عثروا على المكان بصعوبة. ظنوها نائمة. ولكن عندما أدارها أحدهما على ظهرها أدرك على الفور بأن هناك جثة.
بقيت هناك طوال الليل والصباح. وقبيل الظهيرة جاء العمدة مع أناس وأمر بأخذها ودفنها مع ذينك الإثنين المقتولين عند سكة الحديد.
ولكن ليس أمرا واضحا لماذا اطلق هو النار عليها- قال راوية الحدث - ، هذا الشيء ﻻ أقدر على فهمه. فهذا الرجل هو بالضبط من يفكر المرء بأنه قد حزن عليها.