أمعن النظام الدكتاتوري في قهر واغتصاب حقوق المرأة وجعلها جزءاً هامشياً تابعاً وخاضعاً لسيادة ودور الرجل. إذ أن الأصل في كل ذلك هو موقف النظام الاجتماعي والسياسي ألذكوري عموماً من المرأة في العراق. فالمعايير التي يعتمدها علم الاجتماع في التعريف بالموقع الذي تحتله المرأة في أي من المجتمعات البشرية كثيرة ومتعددة الأوجه, ومن خلالها يمكن التعرف على واقع ومستوى تطور تلك المجتمعات. ويمكن في هذا الصدد إيراد عدة معايير جوهرية تعتبر معايير مركزية لاختبار موقع المرأة ومكانتها ودورها وطبيعة علاقاتها في مجتمع ما, وهي:

• طبيعة علاقات الإنتاج السائدة في هذا البلد أو ذاك ومستوى تطور القوى المنتجة المادية منها والبشرية فيه, بما في ذلك مستوى تطور التعليم والمهارة الفنية وتطور العلوم والحياة الثقافية والمعارف العامة, أو ما يطلق عليه اليوم بالتنمية البشرية أو التطوير الإنساني.
• طبيعة النظام السياسي ومستوى التمتع بالحرية والحياة الديمقراطية ومدى وجود وسيادة دستور ديمقراطي ومؤسسات دستورية وسيادة القانون الديمقراطي, أي بمدى تمتع شعوب هذا البلد أو ذاك بممارسة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية.
• دور المرأة ومكانتها في المجتمع إلى جانب الرجل ومكانتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومدى تمتعها بحريتها الاقتصادية وحقوقها كاملة غير منقوصة ومساواتها بالرجل من جهة, ومدى تمتع الطفل بالرعاية والحماية والتربية العلمية والإنسانية من جهة أخرى, إضافة إلى سبل التعاون والتفاعل بين المرأة والرجل في البيت والعمل والمجتمع, وكذلك مدى قدرة الدولة على توفير مستلزمات تنمية علاقة واقعية سليمة ومتطورة بين المرأة كانسان عامل وكأم في آن من جهة ثانية.

فما هو واقع العراق في ظل هذه المعايير؟

إن دراسة المجتمع العراقي وتطوره خلال العقود الأخيرة اقتصادياً واجتماعياً وحضارياً تشير إلى الوقائع التالية:
1. استمرار سيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية وتقاليدها وعاداتها, بما في ذلك العلاقات العشائرية التي تعود إلى حد ما إلى فترة العلاقات الأبوية التي تسبق العلاقات الإنتاجية الإقطاعية في الريف, ولكن تعكس تأثيراتها وممارساتها البارزة على المدينة بشكل كبير وبشكل خاص في المجتمعات أو الجماعات الاجتماعية المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً من قبل الدولة والمجتمع والمنحدرة في أغلبها من أصل ريفي فلاحي أو بدوي ولم تدخل عالم الصناعة والعلاقات الإنتاجية الرأسمالية. وهي علاقات تحترم المرأة نسبياً في داخل العائلة, ولكنها تحتقرها خارج إطار العائلة والمجتمع وتعتبرها ناقصة العقل وعاجزة عن التفكير والتصرف العقلاني وهي دونية ينبغي الحذر منها, إذ حتى عندما يأتي ذكر المرأة في حديث بين الرجال يرفقها الرجل "حاشاك!", وكأنها شيئاً محتقراً أو غير نظيف وليست إنساناً كالرجل. وهو تعبير يحط من قدر الأنثى, وكأن الذكور يتحدثون عن شيء لا قيمة له بل أن ذكره يسيء للإنسان الذكر الذي هو "أعلى خلقاً وأكثر عقلاً وأوفر حصافة وقدراً من الأنثى في المجتمع!". والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ترتبط بالإنتاج الزراعي في الريف الذي يعتمد الزراعة اليدوية والأدوات البالية التي تؤثر على ضعف مستوى الإنتاجية والإنتاج ومستوى المعيشة للغالبية العظمى من الفلاحين مما يجعل حياة الفلاحين في فقر مدقع ودين دائم, في حين يهيمن الإقطاعي على القسم الأعظم من الريع المنتج من جهد الفلاحين لصالحه ولصالح أفراد عائلته وسراكيله. ويحرم هذا الواقع الغالبية العظمى من الفلاحين بشكل عام, وخاصة الفقراء والمعدمين منهم, من القدرة على التعلم والتمتع بالثقافة وفهم أمور الحياة بشكل أعمق, علماً بأن المرأة في الريف تُستغل بشكل مريع وأكثر من الرجل في أحايين كثيرة, فهي التي تنجب الأطفال وتقوم على تربيتهم, وهي التي تمارس الطبخ وتنظم وتنظف الدار, وهي التي تساهم في أعمال الحقل وتذهب لتسويق المنتجات الزراعية في السوق المحلية, ولكنها, ورغم كل ذلك, غير مستقلة اقتصادياً عن الرجل, بل خاضعة وتابعة لسطوته وهيمنته الكاملة اجتماعياً واقتصادياً, ولكنهما يخضعان معاً, أي المرأة والرجل, لنفوذ الإقطاعي وسطوته المالية وهيمنته الكاملة واستغلاله البشع. والمجتمع العراقي لم ينفض عن نفسه هذه العلاقات, رغم صدور قانون الإصلاح الزراعي بعد ثورة تموز 1958, فأن المرحلة التي تلت ذلك, وخاصة في فترة الثمانينات وما بعدها عاد المجتمع إلى تلك العلاقات الاستغلالية المتخلفة والمعرقلة للتطور الصناعي لتفرض نفسها في الواقع الحياتي المعاش في الريف والمدينة. ولا شك في أو أوضاع المرأة في المدينة تختلف إلى حد ما عن أوضاعها في الريف, ولكنها تعاني من انتقال علاقات الريف إلى المدينة, وخاصة في المرحلة الراهنة. ورغم وجود نسبة لا بأس بها من المتعلمات, إلا أن الكثيرات منهن يعانين من البطالة المزمنة. وأصبحت حالياً حبيسة البيت والمطبخ وتربية الأطفال وسجن العباءة الظالم والحرمان من أغلب الحقوق والواجبات الحقيقية في المجتمع. وعندما تحرم النسبة العظمى من النساء من العمل والحصول على أجر مناسب, فهن لا يتمتعن بأي استقلال اقتصادي ولا بحريتهن, وبالتالي فهن خاضعات وتابعات للذكور.
2. والحياة السياسية في العراق على امتداد العقود الثمانية المنصرمة لم تكن في الغالب الأعم سوى حياة خالية من ممارسة النصوص الدستورية, سواء أكانت تلك النصوص دستورية دائمة أم مؤقتة, رغم أن تلك الدساتير كانت تتضمن بعض المبادئ الديمقراطية العامة, ولكن الممارسة العملية لها كانت تشير إلى عكس ذلك وخاصة في العقود الأربعة الأخيرة. فالمجتمع خلال فترة حكم البعث الصدامي لم يعرف الحرية والديمقراطية واغتيلت بالكامل حقوق الإنسان وحريته وكرامته, بما في ذلك حقه في الحياة, بصيغ وأساليب وأدوات شتى. وكانت حصة المرأة تمثل الجزء الأكبر من الحرمان والظلم والعذاب والتمييز المقيت في كل شيء. فإذا كانت حصة الرجل الزج في الحروب ليحمل السلاح ويقابل الموت يومياً وسقط منهم مئات الألوف, فأن المرأة فقدت حتى ذلك الجزء الضئيل من الحرية التي تمتعت بها في العهد الملكي, وخاصة الفئة الأرستقراطية أو الفئة المثقفة, أو في العهد الجمهوري الأول وفق قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959, رغم كل نواقصه الجدية. وتعرضت المرأة إلى الموت تماماً كما تعرض الرجل في إطار الاعتقالات والتعذيب والحملات العسكرية التي نظمها النظام الاستبدادي ضد المجتمع, وخاصة ضد الشعب الكُردي والقوميات الأخرى في كُردستان العراق والعراق عموماً, وضد عرب الأهوار والوسط والجنوب, أو ضد الكُرد الفيلية, أو في ولوج السجون والتعذيب والموت تحت التعذيب أو التهجير الإجباري. كما تحملت مع أطفالها الكثير من المعاناة بما في ذلك جرائم الحرب وسقوط القنابل والصواريخ على رؤوس المدنيين في تلك الحروب القذرة وموت الكثير من البشر بسببها. وعلينا أن نتذكر معاناة المرأة في فترة الحصار الاقتصادي الدولي ضد المجتمع العراقي بحجة معاقبة نظام الحكم الدموي وتحمل تبعاته حيث سقط الكثير من البشر نتيجة ذلك, ومنهم الكثير من النسوة والأطفال.
3. لم تتمتع المرأة بحريتها واستقلالها الاقتصادي ونشاطها الاجتماعي ولم تُظلم من قبل الدولة والحكومة وحدهما فحسب, بل من قبل المجتمع, والذكور منهم بشكل خاص. وهي إشكالية مرتبطة بالعامل الأول. والدستور المدني العراقي الجديد, الذي لا يزال يغيب حقوق المرأة الأساسية ويعزز من الحالة السيئة الراهنة التي تواجهها المرأة العراقية, وهي اليوم ليست حبيسة الدار والمطبخ والعباءة فحسب, بل وحبيسة الإرهاب الذي يمارسه في الغالب الأعم الذكور, وهي حبيسة تخلف الغالبية العظمى من النسوة والجهل الكبير واستخدام الدين والشريعة كسلاح متحيز من قبل الذكور ضد النسوة وحريتهن.