اصطدم الإمام الهادي عليه السلام - كما هو الحال بالنسبة لسائر الأئمة عليهم السلام- بالغلاة، وكان من بين أصحابه من يدعي نفس ذلك الادعاء.
فقد كان أحمد بن عيسى من العلماء المعتدلين، وكان شديد التمسك بالأئمة عليهم السلام، ويعارض أي نوع من الغلو، وكتب مرة إلى الإمام عليه السلام يسأله عن معتقدات وأفكار تُنسب إليه، وهي مما تشمئز منه النفوس، وفي رسالته يقول للإمام عليه السلام: (... ولا يجوز لنا ردها إذا كانوا يروون عن آبائك عليهم السلامولا قبولها لما فيها).

فكتب عليه السلام: "ليس هذا ديننا فاعتزله"1.

وللإمام عليه السلام ردود كتبها رداً على معتقدات الغلاة من أمثال علي بن حسكة. وبعض الأحيان كان يَرِدُ اللعن منه عليه السلام عليهم. وأعلن عليه السلام في كتاب آخر غضبه على ابن بابا القمي وقال: "لقد ظن أني بعثته نبياً وأنه بابي". وقال عنه أيضاً: "إذا قدرتم عليه فاقتلوه"2. وقد ادعى محمد بن نصير النمير النبوة - وهو رئيس فرقة النميرة أو النصيرية3 - وأشاع أنه قد أُرسل نبياً من جانب الإمام الهادي عليه السلام...

ومن أصحاب الإمام الهادي عليه السلام الذين تحولوا إلى غلاة أحمد بن محمد السياري الذي حكم أغلب من كتب في الرجال ابغلوه واعتبروه فاسد المذهب، فهو قد ألف كتاب "القراءات" الذي يضم الكثير من الروايات التي تقول بتحريف القرآن. ومن المؤكد أن مثل هذا الكتاب لا يحوي سوى أقاويل باطلة.

الإمام الهادي عليه السلام وأصالة القرآن
من الانحرافات التي أشاعها الغلاة وأساؤوا فيها إلى سمعة هذا المذهب على مر التاريخ قضية تحريف القرآن، وهي القضية التي تمس أهل السنة أيضاً، نظراً لاحتواء كتبهم على بعض الأحاديث الدالة على تحريف القرآن.

وفي نفس الوقت لم يكن بين أهل السنة ولا بين الشيعة الأمامية من يعتقد بتحريف القرآن، بل كانوا على العكس من ذلك يعارضون هذا الأمر بشدة. ومع ذلك فإن الذي يظهر في كتاب (الانتصار) للخياط المعتزلي شيوع نسبة تهمة تحريف القرآن إلى الشيعة على الألسن. وكان أئمة الشيعة عليهم السلام إزاء مثل هذه الاتهامات الباطلة يعطون الأصالة للقرآن دوماً في مقابل الروايات، ويعتبرون كل حديث مخالف للقرآن باطلاً. كما كان الكثير من أهل السنة يعتقد بنفس هذا المبدأ أيضاً. فقد نقل ابن شعبة الحراني صاحب كتاب (تحف العقول) رسالة مستفيضة عن الإمام الهاديعليه السلام يؤكد فيها بشدة على أصالة القرآن، وكونه المعيار لقياس صحة الروايات، إضافة إلى اعتبار القرآن النص الوحيد الذي تتفق جميع الفرق والمذاهب على الاعتقاد به.

وقد قسم الإمام عليه السلام أولاً الأخبار إلى صنفين:
الأول: الأخبار الصحيحة التي يلزم اتباعها والإقرار بها.
الثاني: الأخبار المنافية للحق والتي يلزم اجتنابها وعدم قبولها.

ثم أشارعليه السلام إلى إجماع الأمة على أن القرآن حق وأنه لا تشك فيه فرقة. ثم قال: فإذا وافق القرآن خبراً فلم تقبله جماعة فالحق قبوله والإقرار به، فإن الكل مجمعون على صحة القرآن، ثم مثل لذلك بخبر الثقلين...4

موقف الإمام الهادي عليه السلام من فتنة خلق القرآن‏
إن من أهم القضايا التي تعرض لها العالم السُني في بداية القرن الثالث الهجري، وأدت به إلى التشتت والفرقة قضية الصراع على مسألة خلق القرآن أو قدمه. وهذه المسألة أشاعها أحمد بن أبي داوود، وتبعه على ذلك المأمون الذي عمت الأمة فتنة كبرى في زمانه، وتبعه المعتصم والواثق بامتحان الناس بخلق القرآن. وكأن هذه المسألة مسألة يتوقف عليها مصير الأمة الإسلامية. وسعى هؤلاء الحكام إلى إكراه جميع العلماء والمحدثين على الاعتقاد بخلق القرآن، وسميت هذه القضية تاريخياً باسم محنة القرآن.

وكان أحمد بن حنبل على رأس أهل الحديث الذي يعتقدون بعدم خلق القرآن، وتعرض إثر ذلك للكثير من الضغط من جانب الحكومة العباسية. وفي نفس الوقت لما جاء المتوكل من بعد المعتصم عاضد ابن حنبل وتآزرا على إنهاء القضية لصالح مذهب ابن حنبل.

ولقد دخلت جميع المذاهب والفرق في ذلك المعترك، وأظهر كل واحد منها وجهة نظره الخاصة في هذا الموضوع. لكن روايات أهل البيت عليهم السلام وآراء أصحاب الأئمة لم تبحث في هذه القضية بل التزموا الصمت إزاءها. وقد بين الإمام الهادي عليه السلام الرأي السديد في هذه المناورة السياسية التي ابتدعتها السلطة؛ فقد روي عنه أنه كتب إلى بعض شيعته ببغداد:

"بسم الله الرحمن الرحيم؛ عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة وإلا يفعل فهي الهلكة. نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين. جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون"5.

وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام يقول: "لا خالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الخالق"6.