الصورة المشهدية في مجموعة مدن وحقائب
مثنى كاظم صادق
عندما يفرغ المرء من قراءة مجموعة القاص المبدع سعدي المالح ، تبرز في ذهنه بداية معرفة الإنسان بالكون ، من خلال المدن التي يزورها ، والحقائب التي يحملها ، وإذ يركب القاص زورق القصة القصيرة ؛ فإنه يصل إلى شاطئ ( أبيقور ) اليوناني الذي يرى الخير في اللذة والشر في الألم ، ومن نصوص المالح ، يخرج العذب الفرات حين يمزج بأسلوبه ، الحكمة الدارجة ، والقول المأثور ، فضلا عن قلق مضمر ، يشي بالتوتر الذي تحكمه علاقات شخصياته القصصية . أن هذه الورقة النقدية المقدمة ارتأت أن تتناول الصورة المشهدية ، التي تقوم في تشكلها النهائي على المشهد ، وأن المشهد كما يرى ليون برميليان (( عبارة عن فعل محدد ـ حدث مفرد ـ يحدث في زمان ومكان محددين ، ويستغرق من الوقت الذي لا يكون فيه أي تغيير في المكان أو قطع في استمرارية الـــزمن ))(1) وعلى هذا الأساس ، تكــون الصورة المشهدية هي (( كل ما يعرض ؛ ليسترعي النظر ، ولاسيما إذا كان مثيراً غير عادي ))(2) من خلال اللحظات المكثفة ، والعلاقات الحيادية ، التي تنماز بتقريب اللقطة فتثير المتلقي بقابلية تخييلية ، فالصورة المشهدية تتكون من عناصر عدة ( شخصيات وحوار وحركة ) وهذا ما يفند الإعتماد على الشكل ، بوصفه علامة نصية ، واللجوء إلى طريقة تخلق تحريضاً لدى المتلقي(3) . وبعد فهذه(( مدن وحقائب ))(4) مجموعة قصصية للمبدع سعدي المالح المنتقل من برج الغربة ، إلى موطن الاغتراب ، تحوي المجموعة ثمان قصص قصيرة أو قل ثمان قضايا ، من قضايا الحياة والناس صيغت بلغة سلسة لا إسفاف فيها ولا تقعر. يوظف القاص سعدي المالح الصورة المشهدية التي ترد كثيرا في نصوصه السردية ؛ ليجسد فيها حقائق الحياة ومفارقاتها ، ومن ذلك ما جاء في قصة ( فتاة على كرة ) (( يتنقل الآن من أمام لوحة إلى أخرى ، مقتربا ، مبتعدا ، ممعنا النــظر في ألوانها ، متأملا مواضيعها )) ص 3 إن ما يثير الانتباه في هذه الصورة المشهدية ، الحركية التي تضيء لحظة تأمل ، متحركة بالانتقال عبر الأمكنة ، يستقطبها القاص من ضمير الغائب ؛ ليضفي رؤية مخضبة للوحات المعلقة ، أما في قصة ( الفأر ) فتتجلى عذوبة الوضوح الغامض في حضرة الحياة من خلال ما هو متداول (( تناولت مديرة القسم الداخلي باهتمام مفتعل دفترا من جرار منضدتها ، وراحت تسجل فيه بتكاسل اسمي ورقم غرفتي ، والطابق الذي أعيش فيه ، مثلما فعلت في المرة السابقة ، ثم رفعت عينيها الذابلتين ، وحدقت بوجهي ممتعضة متسائلة )) ص 15 إذ نرى في سياق النص بنية التفصيل الدقيق ، باستعمال الجمل الفعلية المتتابعة ، مجسدا لنا صورة مشهدية لفعالية يومية تعبر عما شاهده السارد ؛ لتكون أكثر حرارة وتأثيرا في تركيز المتلقي الذي ينتظر ما وراء هذه الصورة . وفي قصة ( مريم ) نجد الفضاء الحزين ، الذي فرض حضوره من خلال آلة التصوير الدقيقة ، والتي صور بها هذا المشـهد (( تدحرجت دمعة من عين الفتاة الجالسة قبالتي ، فتوقفت على خدها ، تبعتها ثانية من العين الأخرى ، فثالثة ... دمعة إثر دمعة ، تقف متحدية ، متوثبة ، رقراقة ، صافية ، وتناثرت الدموع ، كأنها لآليء عقد منفرط )) ص 22 حيث يتجلى المشهد بإيقاعات سريعة بتسارع نزول الدموع ، بتتابع ملحوظ ، وصولا إلى الانفجار ، نظرا لحدة الموقف ، وفعاليته ، فيغزل القاص بذلك مصير الأبطال ، بأدوات سردية ذات مرتسمات لغوية كتتابع الصفات ، وصولا إلى منح كل كلمة عدسة تلتقط حالة ما ، فيتحول السياق إلى نص تتنامى فيه الصورة ، فيسهم فضاء النص بتحريك بنية البكاء للدخول في مشهدية الحضور عن طريق المحسوس . وإذ نعطف على قصة ( أمل ) نجد الصورة المشهدية تنساب متتالية ؛ لغرض إبراز العلاقة بين الراوي والمكان ، فيظهر السياق ألفة بين أجزاء هذه الصورة (( تراقصت حزم من أضواء ملونة على نوافذ البيت ، فبدا زجاجها من الخارج ، كأنه فسيفساء كاتدرائية قديمة ، بينما اندفعت دفعات من موسيقى صاخبة تلطم وجهه ـ حالما فتح الباب ـ عابقة برائحة العرق والدخان والخمر والساعات الأخيرة من العام المتراكض نحو نهايته )) ص 31 هنا تعكس الصورة المشهدية صورة الاحتفاء بالعام الجديد عبر نسيج سردي موظفاً فيه قوة الاحتفاء من خلال الفعل ( اندفعت) الذي يدل على القوة فضلاً عن الصفة ، التي جاءت للموسيقى بأنهــا ( صاخبة ) فباغتته بصخبها عندما فتح الباب مستعملا الاستعارة الجميلة ( تلطم وجهه ) فيعرض القاص صياغاته المجازية المعبرة التي عززت القاص بيومه المعاش . ويرتقي القاص في بناء صوره المشهدية عبر تعامله مع الحياة التي يجيد القاص انتقاء المشاهد منها ، على وفق تقنية خاصة به كما في قصة ( دفء الثلج ) (( جاءت سيارة ، توقفت ، ظل سائقها جالسا فيها ، مر شاب وشابة ، كانت الفتاة تتأبط ذراع الفتى ، على نحو كأنها تخاف أن يهرب ، بينما الفتى يقذف لها بين هنيهة وأخرى ، ببضع كلمات ، فتضحك ، وتشد على ذراعه )) ص 39 تنتقل آلة التصوير بنا لترينا مشهدا عاطفيا حرص القاص على نقله إلينا بيد أن هذا المشهد ودقته ؛ جاء لأجل استيعاب العين للأبعاد الجمالية لمشاهد الحياة اليومية ، تلك الجمالية بإيجابياتها المريحة للنظر ، ونلاحظ عرض الصور المشهدية للحوار التعبيري للموقف أو التوصيفي له ، أما في المضمون ، فيطرح القاص شدة الشوق بين الذكورة والأنوثة والعلاقة الأزلية لهما . إن الصورة المشهدية ، تعد بؤرة الإثارة في بنية هذه القصص ، ولاسيما أن الجسد يتمظهر شاخصاً في غالبيتها ؛ لدوره في تدعيم الحدث وتحريكه فضلاًً عما تعطيه من عاطفة ، ولذلك يرى دي سي لويس في الصورة المشهدية بأنها (( رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة ))(5)وتأسيساً على هذا نجد أن الصور المشهدية المبثوثة في هذه المجموعة جاءت عن طريق تقنية التجسيد أو التشخيص أو التصوير أو تبادل الحواس ؛ لأن طبيعة النصوص السردية تتنوع بتنوع الأحداث التي غالباً ما تستعين بالصور بحسب الموقف ومن هذه ما جاء في قصة ( الحظ ) (( ثمة في وسط المقهى ، كان رجلان حول طاولة يتحدثان بصوت عالٍ ورجل ثالث يرتدي بذلة أنيقة ، ويبدو عليه أنه مسؤول كبير أو تاجر غني ، يجلس بعيداً في زاوية ، جلست في الزاوية الأخرى أصبح الرجل في مواجهتي كلما التفت يسارا ، رأيته يتحرك ، ويعتدل في جلسته )) ص 50 فالصورة تصف فضاء المقهى ، بعده مسرحاً لهذا المشهد الإنطباعي الذي يكشف فراسة الراوي وتخمينه لشخوص المقهى وانطباعه عنهم حين أراد أن يومي من خلال المشهد البانورامي في المقهى باستيعاب العين الباصرة للراوي ما موجود أمامها من محسوس ومحاولة تحليله واستكناه خباياه لاسيما أن القاص يصنع صوره المشهدية (( من معطيات متعددة ، يقف العالم المحسوس في مقدمتها ، فأغلب الصور مستمدة من الحواس إلى جانب ما لا يمكن إغفاله من الصورة النفسية والعقلية ))(6) ، وختاما إذا كان ( دستويفسكي) قد نصح من يريد أن يكتب قصة جيدة بقوله : ( شاهد وشاهد ... وشاهد ) فإنني أعتقد بأن المبدع ( سعدي المالح ) كان في مجموعته هذه مشــــاهداً ، ومتـــابعاً ، ومــــــراقباً جيـــداً .
الهوامش
ـــــــ
بناء المشهد الروائي ، ليون برميليان ، ترجمة : فاضل ثامر. مجلة الثقافة الأجنبية ع 3 / 1987م ص 78 .
معجم المصطلحات الأدبية ، إعداد إبراهيم فتحي ، الموسوعة العربية للناشرين المتحدين ، تونس ص 330.
ينظر : الصورة في شعر الرواد أطروحة دكتوراه علياء عبد الرسول الجامعة المستنصرية كلية التربية 2005 ص 225 .
مدن وحقائب ، د سعدي المالح ، دار الينابيع ، الطبعة الثانية 2009م سوريا / دمشق
الصورة الشعرية ، سيسل دي لويس ، ترجمة : أحمد نصيف الجنابي ، مالك ميري ، سلمان حسن إبراهيم ، مراجعة : د عناد غزوان إسماعيل ، منشورات وزارة الثقافة والإعلام ، دار الرشيد للنشر ، 1981م ص 23.
الصورة في الشعر العربي حتى القرن الثاني الهجري ـ دراسة في أصولها وتطورها ـ د علي البطل ، دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ، ط 2 1980م ص 30 .