ثقافة الاحذية رؤية سايكولوجية
مثنى كاظم صادق
يعد الحذاء في الموروث الشعبي العراقي مادة محتقرة , فهم يقولون لمدمن الخمر(يشرب العرك با لقندرة ) وفي المثل (يجد أبو كلاش وياكل أبو جزمه ) فضلا عن قول العراقيين للظالم من الحكام يسوق شعبه بـــ ( القندرة ) وقولهم للشخص العنيد ( ميجي إلا بالقندرة ) وهي لفظة ترد كثيرا في الشتائم والسب وقد كانت الهوسات في عام 1948م للعراقيين ( نوري سعيد القندرة وصالح جبر قيطانة ) بما سمي بوثبة كانون , وعندما عاد نوري السعيد وسيطرت الحكومة على الشعب تبدل الهتاف بــ ( نوري سعيد شدة ورد وصالح جبر ريحانة !!) وقد شاهدنا على شاشات الفضائيات , أحد المسؤولين الكبار في
النظام السابق يرفس بحذائه شخصا مقيدا من يديه , بل أن السائد عند توسل شخص ورضوخه لأحد ما يقول عنه ( باس قندرتي ) وقد رسمت صورة بوش الأب إبان التسعينات على مدخل بوابة فندق فلسطين لتداس بالأحذية , وفي سقوط صدام عام 2003م شاهدنا في الفضائيات رجلا يضرب صورة صدام بفردتي حذائه , وكذلك ضرب رأس تمثال صدام في ساحة الفردوس بالأحذية بعد سقوطه وفي عام 2005م لوحق أياد علاوي عند زيارته النجف الاشرف , لوحق بوابل من شتى أنواع الأحذية تعبيرا لسوء سياسته في ذلك الوقت , وعند زيارة بوش إلى العراق في 14 ديسمبر / كانون الثاني 2008 رماه صحفي عراقي بالحذاء , وحكم على
هذا الصحفي بالسجن ثلاث سنوات , وخرج بعد تسعة أشهر لحسن السلوك , وأصبح الزيدي بنظر الدول العربية وبعض العراقيين بطلا قوميا وعروبيا بالحذاء , وطبلت له الفضائيات العربية , ونظم الشعراء والأدباء القصائد في فعلته هذه , ودخل حذاؤه التاريخ , وأصبح ينظر إلى الصحفيين العراقيين نظرة ازدراء حتى أن البعض طالب بدخول الصحفيين العراقيين إلى المؤتمرات حفاة من دون لبسهم الأحذية !! , الفضائية البغدادية التي كان يعمل فيها الزيدي أنهت عقدها معه بعد استضافتها للزيدي والقائه كلمة معدة من على شاشتها بعد خروجه من السجن , فخرج إلى سوريا واستقبله وزير
الإعلام السوري , في المطار وفي مكتبه , وعرض عليه احد تجار السعودية عشرة ملايين ريال لشراء فردة الحذاء الذائعة الصيت , فضلا عن طبع صورة الزيدي في (التي شيرتات ) , وعرض بعض العوائل العربية بناتها للزواج من الزيدي !! , هل فقد القلم أو اللسان تأثيره ؟ علما أننا من أمة حباها الله بلسان عربي مبين , يقرع الحجة بالحجة حتى عد البيان العربي والشعر العربي من السحر و الحكمة, فكيف بالصحافة التي تعد سلطة رابعة بثقلها القلمي والورقي والكلامي ؟, هل أصبحت ثقافة الحذاء بديلة عن ثقافة العرب القديمة والتي عرفت بـ( السيف والقلم ) , وبنفس المشهد هذا رشق
الصحفي العراقي سلام الخياط الزيدي بفردة حذائه في باريس في مؤتمر صحفي بدار الصحافة العربية , لأن الخياط قد امتعض واستشاط غضبا عندما نعت الزيدي انفجارت السيارات المفخخة والعبوات الناسفة بــ ( المقاومة ) !! ومن الطريف أن كلا الحذاءين لم يصيبا المرمى , فلا حذاء الزيدي أصاب بوش , ولا حذاء الخياط أصاب الزيدي , وبهذا يكتمل زوج الأحذية العراقية , بدراما جدلية فبوش أتى من الغرب لكي يرشق بالحذاء في الشرق , والزيدي ذهب من الشرق إلى الغرب كي يرشق بالحذاء هناك , لا من صحفي أميركي لكن من صحفي عراقي , تعامل معه بنفس اللغة , يرى علماء النفس أن معظم
تصرفات البشر تنتج غالبا متأثرة بالغرائز وحب الظهور والبروز في المجتمع , وربما حب الظهور والشهرة ومعرفة الزيدي المسبقة بأنه يعيش في بلد ديمقراطي هو الذي جعله يرمى أكبر رئيس دولة بالعالم بالحذاء بحضور رئيس حكومة بلده المحتل من قبل تلك الدولة, ولم يسجن سوى تسعة أشهر ولم يمس أهله بسوء ولم يقص أحد من عائلته من وظيفته ولم تصادر أمواله المنقولة وغير المنقولة ولم يتضرر أي زيدي من جراء حذائه , واعتقد جازما لا احد من العراقيين كان يجرؤ في زمن صدام أن يرمى بفردة حذائه لعضو فرقة في قرية نائية من قرى العراق , إلا ويكون مصيره في مقبرة جماعية ,
في أقل تقدير ....الخ , بعض الصحف العربية والمواقع الاليكترونية التي يرعاها القومجية قالوا: (أن الزيدي رفع رأس العرب بحذائه!!) وأنا اسأل العرب الذين ترفرف أعلام السفارات الإسرائيلية في عواصمهم , هل بأمكانكم رمي السفارة الاسرائيلة بالحذاء ؟ ولماذا لم يقدم صحفي عربي أو فلسطيني يحضر مؤتمرات فيها مسؤولون إسرائيليون على ما أقدم عليه الزيدي ؟ ويرشق بفردتي حذائه المسؤولين وينتصر للقضية العربية من قتل إسرائيل للشعب العربي في غزة ويثأر للجولان و لمحمد الدرة وللشيخ ياسين ؟ وما أكثر الوفود الاميركية والإسرائيلية التي تزور الدول العربية ,
وما أكثر المؤتمرات التي تعقد وما أكثر الصحفيين العرب الذين يحضرون الاجتماعات ويأخذون التصريحات من أفواه الاميركان واليهود على حد سواء !! أنها ثقافة عربية تنم عن الضعف والوهن والازدواجية والخلل النفسي والاجتماعي الذي يعيشه هذا الشعب حيث لا يملكون سوى الحذاء للتعبير عن آرائهم ومعاناتهم .مسكين هذا الشعب الذي بدل ثقافته العريقة والنبيلة بثقافة أقل ما يقال عنها أنها ثقافة أحذية هذا الشعب الذي رأى أن الحذاء أصبح رمزاً للشجاعة والبطولة واسترداد الكرامة المهدورة ، ومسكين هذا الشعب الذي وصل إلى هذا المستوى بعد أن كان في القمة يحلق
في السماء من أمجاد قد حققها بالسيف والعلم والايمان . وثمة من نظم قصيدة ساخرة حول الحادثة وهو الشاعر الشعبي المبدع عواد العبادي وهذه مقتطفات منها :( يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة / للعروبـة اليوم صارت مفخرة / انهزمت اجيوش العرب يوم النـزال / والسلاح انهار في سـوح القتـال / گمنـه نتحـدى القنابـل بالنـعـال / واليعاديـنـه بـحـذاء انـدمـره / يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة / ومصطفى البكري سعيد ابهل خبـر / ايبارك الأمة العريقـة ابها لنصـر / صـارت بمليـار چزمـة منتظـر / يسقط الصاروخ تحيا القندرة / وبوش اجه لبغداد ياهـو القشمـره / قندره
ازغيره وشفت كلشي ارتبـك / والله لـو بسطـال چا سـوه فلـك / حتى سور الصين چا طـاح وهلـك / وبجزر هـاواي صـارت مجـزره / يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة / احنه عدنه اسلاح يسـوا النـووي / أصله جلـد أبعير فعـال وقـوي / أبساحة الميـدان يشويهـم شـوي / وخلـي ينتظـرون جلـد البـقـره / يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة / قاذفـات اتحولـت تمحـي اليهـود / وحتى باليابان صارت شوشرة / انتصرت الأمة بعد طـول انتظـار / وصارتلها القنـدرة رايـة وشعـار / نحرر المقدس تـره وكـل الديـار / ونمشـي للصومـال هـم نحـرره / يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة / دخلـوا التاريـخ
هالمـره العـرب / وگلبوا الدنيـا وموازيـن الحـرب / هذه جديـات صـارت مـو لعـب / والسـلاح الأسود أول بــادره / يسقـط الصـاروخ تحيـا القنـدرة .