الزواج من موظفة حلم الكثيرين
بقلم : مثنى كاظم صادق
باحث اكاديمي وكاتب

يبدو أن الرجل في العراق أصبح عملة نادرة , ولا أغالي إذا قلت إنه قاب قوسين أو أدنى من الانقراض كما حدث للذكور من الديناصورات ( والستار الله ) والأسباب معروفة فمن الإعدامات إلى الحروب والسفر والانفجارات و( الحبل على الجرار ) وفي ظل هذه الظروف الشاذة شهدنا إبان تسعينيات الحصار الاقتصادي زواجا من نوع خاص , وهو ( زواج الهجرة ) وهو أن يبعث أحد العراقيين المغتربين إلى أهله يحثهم على إيجاد زوجة له بمواصفات ( ديلوكس) جميلة جدا ( أتخبل ) ( موظفة ) أو ( خريجة ) فيرسلون إليه هذه الزوجة بالبريد المسجل والمستعجل حيث ينتظرها زوجها ( الكبير في السن والأصلع وصاحب الكرش) فيجتمع عنده ( الماء والخضراء والوجه الحسن )
والسعادة تغمرها وتغمر أهلها حيث هولندا أرض الطواحين أو سويسرا أو السويد أو أي بلد آخر( بذيج الدنيا ) يداعب خيال الملايين من العراقيين للخلاص من هذا السجن( الكبير ) فعسى أن تساعد هذه الزوجة أهلها ببضعة دولارات شهرية فتعينهم على العيش وفي الضفة الأخرى المقابلة ( يعض ) الكثير من الشباب أصابعهم عندما تذهب من بين أيديهم (أجمل الفتيات) إلى الخارج ؛ لأنهم لا يستطيعون الزواج بهن لضيق ذات اليد حيث الجيوب التي تصفر فيها الرياح والخاوية على عروشها والركض الماراثوني و( العشة خباز ) وبعد أحداث التغيير في عام 2003م بدا الزواج مختلفا في العراق حيث تحسن الرواتب حتى أطلق على الموظفة لقب ( كية ) لأنها أصبحت ( طكوك ... خالي ) حيث بدأت الكثير من الموظفات بشراء المصوغات الذهبية من ( أبو لهيب ) و( أبو ماهر) وغيرهم من الصاغة ( أبقاهم الله ذخرا للأمة العربية ) , حيث شكل الذهب والراتب مطمحا ومطمعا للكثيرين من الرجال الذين لم يسعفهم الزمن في الحصول على شهادة أو وظيفة فأصبح حلمهم هو الزواج من ( موظفة ) تتقاسم معهم المسؤولية والحياة تعاون و( شكو بيهه ) و( ماكو فرق ) حتى أن البعض بدأ يسأل عند تقدمه للزواج من الموظفة عن ( درجتها الوظيفية ) و( شكد تستلم )!! و لكن عندما تتحمل هذه ( الموظفة ) المسؤولية المادية وحدها فهذا من العجب العجاب , فضلا عن فقدان الانسجام في كثير من الأحيان بينهما حيث اهتماماتها كخريجة تختلف عن اهتماماته كـ ( مريج ), حيث تفصلهما مسافة حتى في رؤية ومتابعة البرامج والأفلام في الفضائيات وربما ينعكس ذلك حتى في الطعام والملابس وصار الزواج من ( موظفة ) حديث الساعة في البيوت والطرقات والمقاهي ودوائر الدولة , كاتب السطور ليس ضد هكذا نوع من الزواج بقدر ما هو ضد المجتمع الذي أخذ ينظر إلى الموظفة بأنها مصدر يدر ( راتبا ) فقط فالمرأة أكبر من هذا بكثير لأنها كائنة ( ملكوتية ) يتماهى معها الرجل لتكميل ذاته بالسكن إليها . إن وجود هذه الزيجات تسبغ على الزواج صفة البراغماتية (النفعية) المادية المتبادلة مع أن هذا الزواج يساهم في القضاء على ( طنطل ) العنوسة , إن الذي دفعني لكتابة هذه السطور قصة سمعتها في الجامعة وهي أن الموظفة ( فلانة ) الحاصلة على شهادة الماجستير ذات الراتب ( الطاك ) آمنت بالمثل المصري ( ظل راجل ولا ظل حيطة ) فتزوجت من شقيق صديقتها الحاصل على شهادة الابتدائية والذي يعمل يوما ويجلس عشرة والذي فرح فرحا كثيرا عندما أخبرته أخته بأنها ستخطب له صديقتها ( الموظفة ) ( أم الماجستير ) وتم الزواج فعلا ولكنها بعد فترة وجيزة اكتشفت أنها تتحرج بالخروج معه ؛ لأنه لا يجيد التحدث بشكل مناسب مع الناس فضلا عن أنه انصرف إلى هواية جديدة وهي تربية الطيور ( مطيرجي ) إذ بدأت المسكينة تشاهده صباحا يصعد على السطح ويصيح ( كش عاع ) مما أدى إلى أن تستأجر في منطقة أخرى خوفا من الفضيحة وقد حاولت مرار وتكرارا منعه لكن من دون فائدة , وبالرغم من هذه المعاناة وعندما يشتد بينهم الخلاف يقول لها (لولاي لكنت غير متزوجة لحد الآن) آلمتني هذه الحكاية كثيرا فهذا الرجل وغيره عد نفسه منقذا لها من شبح العنوسة ونسى أنه أفقد زوجته ( الموظفة ) حبها للحياة ورحم الله الشاعر معروف الرصافي حين قال : ( وإذا الزواج جرى بغير تكافىءٍ / وتحاببٍ فالخير أن نترهبا ).