التحقيب السردي عند القاص حسين رشيد
مثنى كاظم صادق
للنصوص السردية التي يكتبها القاص المبدع حسين رشيد مذاق خاص، ولاسيما عندما تميل هذه النصوص إلى الواقعية النقدية ( الجريئة ) ، فالكتابة القصصية عند رشيد عشق سحري يوظفه في نصوصه التي تؤسس من حيث صياغتها معمارية جديدة للنص القصصي الحديث في العراق الذي يواكب العصر، حيث اصطدام المثقف بالواقع الجديد . حسين رشيد يعرف كيف يتناول القضايا الحساسة في المجتمع العراقي ( الأمنية ، والشرعية ، والسياسية ) وربما لا أكون مغالياً عندما أقول : إنه أحدث طفرة فنية على معظم من كتبوا القصة التي تحدثت عما مر به العراقيون من تجارب مرة ، فقصصه تزخر بما هو ساخن ، فقد أرسى ـ سردياً ـ ما هو متداول بين الناس ؛ ذلك لأنه عاش التجربة ، وربما تجارب الآخرين، فهو من الذين كونوا لهم موقفاً مؤمناً بالعدل الاجتماعي ، حيث نجد نصوصه السردية تؤمن بحرية الإنسان على المستوى الديني والفكري والعقلي والجسدي ، من خلال توظيف ما آمن به في كتاباته بإجراء عملية ( تحقيب ) سردي للمرحلة ، إذ وقَّف نصوصه على قضايا منتزعة من الواقع الاجتماعي في العراق بتقنية المفارقة الفنية ، وقد تناولنا بعضاً من قصصه القصيرة جداً التي نشرها في جريدة الصباح بتاريخ 19 / 6 / 2011م مثالا على احتفال نصوصه بإسقاطات الواقع السياسي على الواقع الاجتماعي ففي قصة ( موطني ) اعتمد القاص في بنائها على تقانة القطع السينمائي ؛ بغية التكثيف والاقتصاد في السرد لشمولية الفكرة المطروحة (( المشهد كالتالي ، سوق شعبي ، أناس محتشدة للتبضع ، أيام قليلة تفصلهم عن العيد ، طفل يبحث مع أمه عن لعبة جديدة ، أب تسلم مرتبه وهرع به إلى السوق ليسعد أبناءه ، شاب يشتري هدية لخطيبته ، ..... )) وبعد هذه المتوالية السردية التي توحي بازدحام السوق حتى أن (( رنات المبايل تختلط مع الأصوات )) يدخل أحد الانتحاريين بغتة ليفجر نفسه بين الناس (( لكن أجهزة المبايل ظلت ترن )) فلا أحد يجيب ؛ لأنهم قد فارقوا الحياة فـ (( صمتت أجهزة المبايل )) إلا (( جهازاً واحداً كان يرن بنغمة موطني إذ لم يجدوا صاحبه )) إذ إنّ الجملة الأخيرة هذه ذات دلالات كبيرة ، تحمل رمزية عفوية معروفة . أما في قصة ( عقدة ) ففيها تعرية واضحة للنفوس ، وتقديم رؤية إنسانية ، لأعمال ومواقف وممارسات اجتماعية سلبية يعرفها الجميع ، لكنها لازالت ( معمرة ) في حياتنا دون التصدي لها أو الوصول لحلها، حيث جعل عنصر المفارقة هنا متممة للخطاب السردي فبعد مرور مدة طويلة جدا و (( بالضبط عام 2200م وفي أحد أيام شهر رمضان ، وبعد أن امتلأت المقابر ، وانشطرت المدن والأحياء والأزقة لا بل حتى البيوت و العوائل )) جلس الطرفان واتفقا !!! (( إذ تم وضع فقرة أن يسمي كل طرف أسماء الطرف الآخر ولمدة عام كامل، وبعد مرور الذكرى الأولى والاحتفال بها، احتفل احد الطرفين قبل الطرف الآخر، وربما تأخر الطرف الآخر بالاحتفال إلى اليوم الثاني.)) !!! فلم يشأ القاص حسين رشيد إلا أن تكون الجملة الأخيرة حول احتفال أحد الطرفين قبل الآخر سوى ( جملة الإثارة ) التي ارتقت بالقصة إلى جمالية الفن ؛ لأن هذه الجملة أنقذت الحدث من رتابته . ولم ينس القاص أن يستحضر ويستذكر أحداث الزمن الماضي ، ومعالجتها فنياً ، ففي قصة ( طيارة ) المنشورة في جريدة الصباح بتاريخ 6 / 8 / 2011م نرى السلبيات السائدة ، ولاسيما فيما تضمره أجهزة الدولة القمعية وقتذاك ضد المواطن وفي شؤون حياته الشخصية حتى لو كان طفلاً بريئاً لا هم له سوى عمل طيارة ورقية ، لنكتشف ضآلة حجم المواطن أمام ( القمع ) ولاسيما إذا كانت هذه الطيارة مصنوعة من ورق صحيفة الحزب الحاكم !! إذ يحتج الجار ويضرب باب جاره بشدة وعنف ويصرخ بوجه والد الطفل ويقول له : (( كيف سمحت لكم نفوسكم المريضة أن تسمحوا لأبنكم أن يعمل طائرة ورقية من صحيفة الحزب )) حيث كان المواطن يقبع لأكثر من رقيب ومخبر ومنهم هذا الجار الذي فشلت كل المحاولات لتهدئته فـ (( ذهب مسرعاً إلى منظمة الحزب ومنها إلى دائرة الأمن ، وعلى وجه السرعة نقلنا جميعاً إلى هناك للتحقيق )) وبعد معاناة شديدة (( اجبروا أبي على الإمضاء بتعهد خطي بشراء وقراءة الصحيفة والاحتفاظ بها يوميا، الأمر الذي جعلني صيدا سهلا للتوبيخ من قبله كل يوم، كما اجبروا أمي على التبرع بمصوغاتها الذهبية ومنها خاتم الزواج.)) وتبرز لحمة المعاناة في قصته ( بيتنا ) المنشورة في ذات الصحيفة وبالتاريخ نفسه ليقص البطل قصة تهجيرهم (( رفضنا أن نكون معهم، ولأنهم وضعونا في خانة الطائفة المضادة، دسوا من تحت الباب ورقة لفت برصاصة، كتب عليها عليكم الرحيل )) فما كان منهم إلا أن ينتقلوا إلى بيتهم الثاني (( الواقع بالحي المجاور. الأيام الأولى مرت بسلام، لكن بعد أسبوع طالبونا بحمل السلاح معهم، والدفاع عن الحي مثلما ادعوا، تعذرنا كوننا لا نملك السلاح ولا المال الكافي لشرائه، إذ تعطلت الحياة في كل مفاصل المدينة، ليدسوا ورقة ورصاصة أيضا، وأمراً آخر بالرحيل )) فما كان منهم إلا أن يرحلوا فتركوا المدينة برمتها وأحيائها ، فتبرز هنا الإدانة الواعية للمجتمع ، من خلال قول السارد في نهاية قصته (( في ذات اليوم فجروا بيتنا الأول بتهمة نقل المعلومات إلى الجهة التي غادرناها قبل قليل. وحين سمع الطرف الثاني أن البيت فجر في الحي المجاور، وهو في المعتاد يعود لأحد أبناء طائفتهم لم يتهاونوا بتفجير بيتنا الثاني لذات الأمر.)) يريد القاص في هذه القصص الأربع أن يرى وطنه نقياً من خلال طرح الأفكار الإنسانية عن طريق القص الحكائي ( الخاطف ) الذي يشبه لوحة مؤلفة من قصاصات ( كولاج ) انتظمت ؛ لتصور حالات إنسانية بومضات سريعة خاطفة تشبه ( أدب التوقيعات ) في الأدب العربي .