قصة الشهيد :: اسعد عباس محمد جاسم اعداد:: روحي السعد



شموس تحت ثرى العراق
لكل كتاب عنوان , ولكل شيء اسم ورمز . فعنوان الانسانية هو محمد (صلى الله عليه وآله) وعنوان الحق علي (عليه السلام) وعنوان العفة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعنوان الكرامة والإباء الحسين (عليه السلام) ، أما إذا ذكر العباس (عليه السلام) فذا هو عنوان الإيثار والوفاء . وإذا ذكرنا كرامة وهيبة العراق فعنوانها ورمزها وفخرها هم شهداء العراق . وكل تلك العناوين والرموز والأسماء تختزل بين طياتها تاريخا يفخر به كل الشرفاء واصحاب القيم والمبادئ ، حتى أن بعضا من تلك الاسماء حفرت حروفها بذاكرة التاريخ وذاكرة الناس ، حتى أن ذلك القلم يرجف هيبة عندما تنساب من قلبه المسكين ، الذي يقف حائرا حرجا خجولا أمام تلك العظمة وذلك الشموخ . ومن تلك العناوين هو الشهيد (اسعد عباس مجيد الغزالي) الذي ولد في كربلاء ـ منطقة حي الغدير عام 1967 ، وقضى طفولته وصباه وشبابه في نفس المنطقة ودخل في مدارسها وكانت له علاقات طيبة وصداقات حميمة مع اقرانه وزملائه .. امتدت حتى تخرجه من الاعدادية.. كان رحمه الله الولد الوحيد لأبويه ويأتي في التسلسل الثاني بين اخواته الأربعة . كانت تربيته تربية مفعمة بالحب والحنان ، فقد اهتم أبواه به وبتربيته اهتماما مميزا وذلك لأنه ابنهم الوحيد . فصبوا جل اهتمامهم من اجل أن يكون ولدا صالحا ذو اخلاق عالية . كبر أسعد في ظروف كانت صعبة جدا من حيث الوضع المعيشي لأهله والوضع العام بالنسبة للعراق ، هذا ما دعاه لأن يترك مقاعد الدراسة ، بعدها دخل الخدمة العسكرية الالزامية التي تخلف عنها عندما تصاعدت الاحداث بعد طرد القوات العراقية من الكويت وانطلاق الانتفاضة الشعبانية التي وئدت في وقت مبكر من عمرها ، حتى أن قوات النظام البعثي الكافر قامت بضرب المدن والناس العزّل ومحاصرتها عسكريا ، وما إن عَلِم أسعد بذلك حتى هب مسرعا الى مدينته كربلاء ، ليتفقد عائلته ويَنظّم لها ، وعند وصوله الى أهله واطمئنانه عليهم لم يبق إلا ستة أيام معهم ، وبسبب المداهمات والاعتقالات العشوائية قرر الشهيد أن يسلم نفسه للجيش لئلا يتم اعتقاله من المنزل ، ذهب اليهم صباح ذلك اليوم كي يسلم نفسه ، لكنه رجع الساعة الرابعة عصرا في نفس اليوم الى داره ومعه مجموعة من جلاوزة البعث الكافر وهو مقيد اليدين ويعاني من آلام ومن الكدمات التي كانت واضحة على جسمه ووجه نتيجة الضرب المبرح من قبل رجال الأمن . جاءوا به هؤلاء المجرمين الى الدار وقاموا بالتفتيش عن السلاح وعن أي دليل يدينه ، لكنهم لم يجدوا أي شيء واثناء ذلك الوقت كانت الصرخات تتعالى من أم واخوات الشهيد أسعد ، وخلال تلك الصرخات والبكاء .. وكبرياء الأب ودموعه الخفية .. راحوا يتوسلون بهؤلاء الاوباش لأن يتركوا ولدهم الوحيد .. لكن أنّا للقلوب القاسية أن ترق !!
اقتيد الشهيد السعيد من داره وخلفه صرخات النساء كانت تهز أركان الدنيا وتمزق قلب الانسان ، ولوعة الأب تُبكي السماء !! . نعم اقتيد الشهيد الى جهات غير معروفة ، لكن لم ييأس الأب من رحمة الله ، فصار مشغولا طيلة ايامه وساعاته بالبحث والسؤال عن ولده ... لكن دون جدوى .
وهكذا انقضت السنين وبقيت الاحزان حبيسة تلك الصدور .. التي ملأتها آهات وأوجاع لا تبرأ ، وبقيت تلك الأم المسكينة المثكولة تنتظر أن يطرق اسعد الباب في يوم ما ويدخل عليها ... لكن كيف يكون ذلك وقد امتلأت المقابر الجماعية بجسوم شباب العراق ، تلك المقابر التي وارت تحت ثراها شموسا لا تنطفئ ...